مذكرات عاكف

صفحات من الذكريات: رحلة في ذكريات عاكف (20)

محمد مهدي عاكف - جيتي
محمد مهدي عاكف - جيتي

مراحل التعذيب

 

وجدنا كل شيء معدا لاستقبالنا، وذلك في جوف الصحراء في مكان مخصص للعمل. وتوقف الطابور، إلى أن تمت مراسيم توزيع العمل علينا وعلى الشيوعيين، مشفوعة بالتهديدات اللازمة إذا حدث أي تقصير في تسليم المقطوعيات المطلوبة، مقرونة بأقسى التشديدات العسكرية على الحراس ليراقبوا التنفيذ بدقة، وليمتنعوا تماما عن الحديث مع أي مسجون أو معتقل خشية أن نستميلهم لجانبنا.. وانتشر الحراس المسلحون في دائرة كبيرة حول منطقة العمل على المرتفعات الجبلية المحيطة بالموقع، ونصبت المدافع المصوبة نحونا.. لكل من تسول له نفسه الشروع في الهرب أو التفكير في التمرد.. وكان هناك تنبيه لنا وللشيوعيين معا بعدم الاختلاط ببعضنا وإلا حاق بنا أشد العقاب!!

مباراة الإخوان مع سلاح المهندسين

سارت الحياة كالمعتاد بعد تلك المواقف القوية.. ولم يطرأ أي تغيير على برنامجنا اليومي من الجبل وإليه.. ومن تفتيش إلى تفتيش.. حتى ألفنا جو التكدير، وتمرسنا على مواجهة كل موقف صعب. لكن المأمور كيف ينام ويرتاح ويتركنا ننعم بحياتنا، فقد كانت هوايته المفضلة هي تكديرنا؛ لأنها مسألة كرامة لإدارة السجن بصفة عامة وللمأمور بصفة خاصة.. هذا ما أكده لنا المأمور فور عودتنا من الجبل معفرين بتراب الطريق، عندما جمعنا خارج الزنازين بحضور ضباط الإدارة. يومها تقاذفتنا الظنون في سبب هذا الجمع الطارئ، هل لأننا قصرنا في المقطوعيات فينوي أن يفتك بنا؟ واحتبست أنفاسنا عندما بدأ يتكلم بحساب:
"ستلعبون بعد ساعة مع فريق كرة القدم لسلاح المهندسين بالوادي الجديد.. استعدوا لأسوأ معاملة إذا انهزمتم، وإذا انتصرتم فستفتح الأبواب ويزداد العمل مع المقصف؛ لأنها مسألة كرامة في الدرجة الأولى لإدارة السجن ولي بصفة خاصة".

وانصرف على الفور بعد هذه الكلمات المعدودات. ووسط الاندهاش والتعجب، تكوّن الفريق، ولم يتدرب يوما واحدا منذ أكثر من سنتين غير التعب من العمل في الصحراء، وبذلت كل جهدي في توجيه الفريق إلى خطة اللعب. ووقف بعض الإخوة بدورهم يحملون الفريق توصياتهم بأن يستشهدوا في أرض الملعب. وتقدم الفريق إلى الملعب والإخوان وراءه صفان يتبعهم حراس السجن ،حيث جلسوا في الجهة المقابلة للمنصة التي يجلس عليها المأمور وضباط السجن وضباط سلاح المهندسين، محاطين بجنود الجيش، ومعهم المشجعون، وبأيديهم الطبل والمزامير. ولم يلبث حراس السجن أن أحضروا طابور الشيوعيين المسجونين، حيث جلسوا قريبا منا. وبدأت المباراة حامية ومثيرة، فإذا ما أحرز فريق السجن هدفا أو أدى لعبة فنية، التفت الرقيب الأول إلى الإخوة في المدرجات، وأمرهم قائلا: صفقوا... فيصفقون بشدة... إلى أن يلتفت ثانية ويقول: توقفوا... فيتوقفون...

قدت الفريق أمام فريق سلاح المهندسين، لكن حدثت أشياء ذكرها لي الأخ عبد الحليم خفاجي، حيث ذكر لي أنه "لطرافة الموقف، التزمنا، أو ألزمنا مشاعرنا، بتعليمات الرقيب في ذلك.. فإذا ما غلبتنا المشاعر عرجنا عليه قائلين: أنصفق هنا يا حضرة الصول؟ فلا يلتفت إلينا، ويكتفي بقوله: نعم صفقوا... فتنهمر أكفنا بالتصفيق وسط الضحكات كالإعصار، فإذا ما قال: توقفوا، سكنت العاصفة مرة واحدة".

وكانت النتيجة لصالح فريق السجن بثلاثة أهداف لهدف واحد لسلاح المهندسين... فانتشي المأمور والضباط، وبرَّ (المأمور) بوعده معنا لعدة أيام متتالية، قبل أن يعمد الحقد الأصفر - أي عبد العال سلومة - إلى إعادة الحياة في السجن إلى سيرتها الأولى.

مذبحة الواحات

في أحد الأيام، فوجئنا بحملة يقودها اللواء إسماعيل همت، وكيل مصلحة السجون وصاحب الصيت الذائع في البطش والإرهاب.. حيث أخذت التجريدة (الكتيبة المسلحة) موقعها حول سور السجن.. حفرت الخنادق، وأقامت السواتر والإدارة أصبحت محمومة.. والكل يترقب وصول اللواء إسماعيل همت بنفسه على رأس أفراد الكتيبة، لتبدأ الأحداث الدامية.. فكل شيء حولنا يوحي باقتراب الكارثة. وكان هذا حال وشعور جميع الإخوان.

حضر ومعه أربعون من الكتيبة فارهي الأجسام، ومع كل واحد منهم رشاش صغير، وكلما التفت لليمين أو لليسار يعزف له البروجي فيذهب الجناحان للجهة التي التفت إليها.

جلسنا نترقب، فإذا بنا نسمع فجأة صريخا عاليا "بروجي"... ماذا حدث؟ كان لضابط المعسكر "هايك" صغيرة، وهي خيمة انفرادي في الخارج، وكان نصفها في الأرض لتكون رطبة من فوق، ووجدنا شيخ الوعظ في مصلحة السجون قد دخل علينا، وكان زميل الشيخ أحمد شريت، فقصَّ للشيخ شريت - عليه رحمة الله – كل شيء، وأن إسماعيل همت يبيّت نوايا خبيثة للإخوان، وأنه سيترك الشيوعيين والآخرين، ويضرب الرصاص على الخيام الموجود فيها الإخوان، فمن يمت يأخذه على السلك، ويقول كان يحاول الهرب. وكان مدير الوعظ بالسجون طوال الطريق يقول له: اتق الله هذا حرام، لا تفعل ذلك، فلم يرعوِ ولم يتأثر.. وقدر الله نازل، ولا بد أن يصل للواحات، ولكن الله غالب على أمره. وعندما وصل، فاجأه مغص كلوي، فظل يتقلب في الأرض ويصرخ، فانشغلوا به، وصرف الله عنّا هذا الطاغية.

علمنا بالمذبحة التي حدثت في ليمان طره، أول حزيران/ يونيو 1957م، وعلمنا أن عبدالناصر أراد تكرارها في سجن قنا والمحاريق، وكان يريدون تكرار مذبحة طره ضدنا.. وأذكر أن اسماعيل همت أخرج منا مرة - قبل أن يداهمه المرض - حوالي ستة أفراد، منهم الأستاذ عمر التلمساني والأستاذ صلاح شادي وأنا والعدوي، وأجلسنا أمامه على الأرض جلسة القرفصاء، كما هي عادة السجون، وجاء بالعساكر حولنا مدججين بالسلاح وقال لنا: لا بد أن تكتبوا تأييدا لعبد الناصر، وإن لم تكتبوا هذا التأييد سأفرغ فيكم الرصاص! فنهض الأستاذ عمر التلمساني واقفا، وقال: تقطع يدي ولا أكتب لعبد الناصر. فبهت الرجل، وتركنا ورحل بعد أن ظننا أنه سيقتلنا، لكنه خرج بمرض ونجانا الله.

في يوم من الأيام، هجمت علينا تجريدة، ونادوا علينا أن نخرج بسرعة من الزنازين بكل أمتعتنا. وما هي إلا دقائق حتى كنا جميعا في الفناء، بعد أن أخليت الزنازين تماما، وتركناها خاوية على عروشها.

استطعنا - رغم العجلة - أن نتبين الوجوه والرتب التي جردت لهذه المهمة "الوطنية" الكبرى.. وكان من بينهم العقيد البشلاوى وغيره من الضباط المزودين بالسلاح، فضلا عن رجال الشرطة العسكرية المدججين بالمدافع الصغيرة والبنادق بكاباتهم الحمراء.

لم تكن الخطورة في كل هؤلاء.. بل كانت تكمن في أقل الزوار رتبة وأكثرهم نفوذا، وهو الرائد محمود خليل، أركان حرب مصلحة السجون. ومعنى ذلك أنه على صلة مباشرة برجال الثورة، وله كلمة عليا نافذة على كل الرتب في المصلحة، حتى أن جبار المصلحة (اللواء إسماعيل همت) المشهور بإجرامه، وبطل مذبحة طرة، كان يسير في ركابه ويتلقى الأوامر منه!

أمرنا أن نتخلص على الفور من كل الملابس المدنية، ومن كل الأمتعة، وتسليم كل ما معنا، ونقف صفوفا بملابسنا الداخلية.

وحدث العدوان الثلاثي على مصر، وطلبنا من عبد العال سلومة في هذا الوقت الخروج لمحاربة المعتدين، لكنهم رفضوا، وبدأت تظهر همسات البعض لتأييد عبد الناصر، وأشعلها الضابط سلومة.

 

اقرأ أيضا: صفحات من الذكريات: رحلة في ذكريات عاكف (19)

اقرأ أيضا: صفحات من الذكريات: رحلة في ذكريات عاكف (18)

النقاش (0)