كتب

خفايا الاتصالات العربية-الألمانية في الحرب العالمية الثانية

الصهيونية ما كان لها أن تنمو وتكبر لولا ما حدث من اضطهاد ومجازر ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية
الصهيونية ما كان لها أن تنمو وتكبر لولا ما حدث من اضطهاد ومجازر ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية

الكتاب: "النازيون العرب.. القصة الكاملة لتحالف لم يكتمل"
المؤلف: رامي رأفت 
الناشر: الرواق للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020.


بصعود نجم هتلر في ألمانيا، وقبلها موسوليني في إيطاليا، كان التحالف بين النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، وانضم إلى التحالف كل من اليابان، والنمسا، في ما عرف بعد ذلك بـ"المحور". بحلول عام 1939 طلب هتلر من بولندا رد ممر دانزاغ، الذي انتزع من ألمانيا بنهاية الحرب العالمية الأولى، وهو ما قُوبل بالرفض من جانب بولندا، فاتخذ هتلر من هذا الرفض ذريعة لاجتياح بولندا، ثم تبعها لاجتياح معظم أوروبا، هكذا اندعلت الحرب العالمية الثانية بين كل من دول المحور ودول الحلفاء المتمثلة في بريطانيا وفرنسا. 

عدو عدوي صديقي.. ولو في السر

وقعت الدول العربية في تلك الفترة تحت نير الاحتلال، فسوريا ولبنان والجزائر في قبضة الانتداب الفرنسي، والعراق وفلسطين ومصر ضمن قبضة الانتداب البريطاني، أما ليبيا فكانت من نصيب إيطاليا. لذا ما كان لملوك وحكام هذه البلاد أن يعبروا عن دعمهم العلني لألمانيا ودول المحور، وإن أرادوا، فكل ما حاولوا القيام به بشكل علني هو تجنيب بلادهم الدخول في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حتى لا تجتمع عليهم خرابات الاستعمار وتبعات الحرب. 

أدرك كل من: ملك مصر فاروق الأول، والخديوي عباس حلمي الثاني، ومفتي القدس أمين الحسيني، ورشيد عالي الكيلاني رئيس الوزراء العراقي، مدى حساسية الموقف وخطورة الاتصال بدول المحور، إلا أن الانتصارات المتوالية التي حققتها ألمانيا على دول الحلفاء حركت لديهم الأمل في الخروج من تحت نير الاحتلال، وربما من بينهم من رأى في دول المحور "مُخلصا" من الاحتلال. فعقدوا الاتصالات السرية بينهم وبين الألمان على أمل انتزاع وعد أوتصريح، بحصول دولهم على الاستقلال في حال انتصار دول المحور في هذه الحرب.
 
حول هذه الاتصالات السرية والاجتماعات في الغرف المغلقة جاء كتاب "النازيون العرب: القصة الكاملة لتحالف لم يكتمل"، في 335 صفحة من القطع المتوسط، قسمهم الكاتب رامي رأفت إلى سبعة فصول غير متناسبة في الحجم، يفتتح الكاتب كل فصل فيها بمشهد روائي من نسجه، وقد جاءت المقدمة في سطور قليلة عن أهمية أن يعي الإنسان تاريخه، أملا في أن يساعده على استشراف مستقبله.

حمل الفصل الأول عنوان "أدولف هتلر" يتتبع فيه المؤلف موقف هتلر من المسيحية كديانة والنظام الكنسي، وكذلك موقفه من الأجناس وركز على موقفه من العرب الذين وصفهم هتلر في أحد أحاديثه قبل الحرب بـ"أشباه قردة ملمعين، يريدون أن يذوقوا طعم السوط" ص35 وكيف تحولوا إلى "حليف طبيعي" مع اقتراب الحرب.
 
"في مثل هذا الضياع والضعف ومع غياب الدور وتهدم بنيان الشخصية، كان من الطبيعيّ أن يقلد العرب أكاليل البطولة لكل أجنبيًّ بوسعه أن يعادي الأمريكان والإسرائيليين، أحدهما أو كلاهما، بوصفهما العدوان البديلان عن الإنجليز والفرنسيين في زماننا هذا. فكان جيفارا في الستينيات، وهتلر في الأربيعينيا... ربما  نلحق  بهما  نموذج أردوغان في  الألفية الجديدة.. كان  من الطبيعي  أن نهلل لبشار الأسد لأنه هدد بقص  مطار "بن جوريون"، ولصدام حسين الذي هدد بحرق نصف إسرائيل  بالكيماوي إن ضربته، ولجمال عبد الناصر برمي اليهود في البحر، ولخالد مشعل، ولحسن نصر الله..." ص15، ص16 

ساوى الكاتب في الاقتباسات السابقة بين جيفارا المحارب من أجل تحرير بلاده بهتلر الذي أقام المذابح لمعارضيه، وغزا دول حلفائه قبل أعدائه.
 
كما ساوى بين هتلر الذي أقام المحارق لليهود وغيرهم من البولنديين والغجر، بل طالت محارقه أبناء  الشعب الألماني ممن خالفوه الرأي أو ممن رأى أنهم لا يستحقون الحياة، وبين جمال عبد الناصر ومشعل وصدام حسين لمجرد أنهم هددوا بأن يحرقوا الصهاينة، ولم يفعلوا! 

جاء الفصل الثاني بعنوان "الملك فاروق" بدأ الكاتب الفصل، بمشهد روائي للسفير البريطاني في مصر وزوجته، لا نستطيع الجزم إن كان الكاتب قد نسج هذا المشهد من مخيلته أم أنه جاء نقلا عن مذكرات لامبسون التي أشار إليها كمرجع بعد عدة صفحات. وهنا يجب أن أشير إلى أن الكاتب، لم يستخدم هوامش إلا فيما ندر سواء في تقديم بعض الشروحات التي يحتاجها القارئ أو لتوثيق مصادره.

تتبع رامي اتصالات الملك فاروق بهتلر، وتسريب فاروق أنباء غزو أنجلترا لإيران، عن طريق يوسف ذو الفقار، كما أورد الكاتب محاولات الخديوي عباس حلمي الثاني في الاتصال بالألمان، والاستقواء بهم لخلع الملك فاروق؛ وهو الأمر الذي يحبذة الألمان على الاطلاق، فهم يعتبرون فاروق حليفًا لهم بمصر.

لم يكتف الملك فاروق بإبلاغ قوات المحور بخطة دفاع القوات البريطانية عن مصر وبتوزيع القواعد الأنجليزية، بل امتد الأمر به إلى اقتراح أن يتولى الجيش المصري مهمة طرد ومحاربة القوات البريطانية، لطردها من مصر والسودان، بدلاً من استهلاك قوات المحور، فالجندي المصري يستطيع تحمل أجواء الشرق أكثر من الجندي الأوروبي.

 

ساوى بين هتلر الذي أقام المحارق لليهود وغيرهم من البولنديين والغجر، بل طالت محارقه أبناء الشعب الألماني ممن خالفوه الرأي أو ممن رأى أنهم لا يستحقون الحياة، وبين جمال عبد الناصر ومشعل وصدام حسين لمجرد أنهم هددوا بأن يحرقوا الصهاينة، ولم يفعلوا!

 


أتبع المؤلف جميع فصول الكتاب ببعض الصور للشخصيات التي ورد ذكرها فيه، ولكن في هذا الفصل أضاف إليها صورتين تخص السادات وهو الأمر غير المفهوم، فهو لم يأتِ على ذكر السادات بالفصل، وأيضًا صورة تخص السادات وبيغن، يرتدي فيها السادات ربطة عنق عليها شعار النازية، وهي صورة لا تتعلق بهذه الفترة التي يستهدفها الكاتب.
 
"أمين الحسيني"، مفتي القدس، كان هو عنوان وموضوع الفصل الثالث من الكتاب، روي فيه الكاتب لقاء الحسيني مع موسوليني، في إيطاليا، بعد أن هرب إليها متخفيًا.
 
"كانت نتائج مباحثات أمين الحسيني مع موسوليني عظيمة، فقد أعد الإيطاليون مسودة تضمنت تقديم دولتي المحور كل مساعدة ممكنة للبلدان العربية التي تحتلها، أو تسيطر عليها إنجلترا في نضالها في سبيل الحرية" ص 125. 

بعد لقائه بموسوليني، مكث الحسيني يومين في إيطاليا قبل أن يتجه إلى ألمانيا، للقاء هلتر، روى الكاتب ما دار في الاجتماع بين هتلر والحسيني دون أن يذكر لنا المصدر الذي استقى منه معلوماته! وهو الأمر الذي تكرر في عدة مواضع سابقة وتالية لهذا.
 
طرح المؤلف في نهاية الفصل سؤالا مهما: هل خان أمين الحسيني أمته؟ جاء رد المؤلف على السؤال الذي طرحه بنفي التهمة عن الحسيني، واعتبر أن الاتهامات الموجهة له دون دليل ، وأن هذه الاتهامات ما هي سوى تشويه لسمعة زعيم فلسطيني وطني، وأنها اتهامات تساق من باب مهاجمة أصحاب مشروع الإسلام السياسي، ولكن السؤال هنا: هل الخطأ في تقدير بعض المواقف ينفي صفه الوطنية عن الشخص، وهل لكون الحسيني مقاتلا ضد الاحتلال يعني بالضروره أنه لا يخطئ التقدير!
  
أما الفصل الرابع فكان"رشيد على الكيلاني" بنشوب الحرب العالمية الثانية طلبت بريطانيا من العراق قطع العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا، واعتقال الجالية والدبلوماسيين الألمان ومصادرة ممتلكاتهم، وهو الأمر الذي سارع نوري السعيد، رئيس الوزراء، آن ذاك، بتنفيذه. 

أدى ذلك لتصاعد الغضب في الشارع العراقي ضد السعيد الذي اضطر لتقديم استقالته، دُعي بعد ذلك الكيلاني لتشكيل الوزارة، فشكل وزارة ائتلافية، وقام بإلغاء نظام الطوارئ والأحكام العرفية. وحين طلبت منه أنجلترا قطع العلاقات مع إيطاليا، رفض، فكان هذا إشارة لبريطانيا أن الكيلاني لا يواليها وبالتالي وجب عليها التخلص منه. أجبر بعد ذلك الكيلاني على الاستقالة.
 
تتبع الكاتب خلال الفصل الثورة في العراق، واحتلال القوات البريطانية لبغداد وهروب كل من الرشيد و أمين الحسيني إلى إيران، بعد أن تأخرت ألمانيا في نجدتهم، وفشلت في استكمال إمدادهم بالسلاح.
 
اختتم الكاتب فصله بتتبع رحلة هروب رشيد الكيلاني، حتى وفاته بلبنان، ونقل جثمانه ودفنه بالعراق.
 
"هزيمة ألمانيا" كانت عنوان الفصل الخامس، روى فيه الكاتب كيف وقعت الهزيمة، وما وقع من مذابح واغتصابات بحق النسوة الألمان، والمذابح التي جرت بحق الأطفال. وكيف أورثت العنصرية الألمانية عنصرية مضادة ضد كل ما هو ألماني بعد هزيمة المحور من الحلفاء. بينما لم يُشر الكاتب لجرائم النازية في أي موضع.

الفصل السادس حمل عنوان "الهجرة النازية إلى مصر"، ويسرد فيه الكاتب ما ورد عن نقل القوات البريطانية العلماء الصف الأول الألماني إلى بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، كيف استفادوا باخترعاتهم، وكيف لجأ علماء الصف الثاني إلى مصر، حيث فتح لهم جمال عبد الناصر ذراعيه من أجل الاستفادة بخبرتهم لتطوير الأسلحة، والصناعات الحربية. بالرغم من التوازن في طرح فكرة الاستفادة من الخبراء الألمان، ولكن أظن أن أسلوبه فيه تعريض بعبد الناصر ونعت الهجرة بالنازية وليست الألمانية، وهي ليست هجرة بل مهاجرون أو هاربون.

"النازية والصهيونية" كان عنوان فصل الختام، الذي اعتبر أن الصهيونية نتاج للأزمات الغربية، وأن الصهيونية ما كان لها أن تنمو وتكبر لولا ما حدث من اضطهاد ومجازر ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية!
 
أجاد رأفت حين اختار موضوع الاتصالات بين العرب والألمان إبان الحرب العالمية الثانية، مستخدما أسلوبا أقرب إلى الكتابة الصحفية، منه إلى الكتابة التاريخية، فهذا الكتاب يناسب القارئ الشاب، الذي يبحث عن المعرفة العامة، لكنه لا يناسب الباحث المهتم بالتاريخ أو السياسة. 

بحسب المقطع الدعائي المنشور على الأنترنت للكتاب فالباحث استخدم العديد من المراجع العربية، والأجنبية، وقد ذكر بضعة مراجع في هوامش كتابه، إلا أنه لم يورد في المراجع النهائية سوى المراجع العربية، وحين أوردها لم يهتم بأن يكتبها بطريقة علمية، وهذا يؤخذ عليه.

لا يمكننا الجزم بحيادية الكاتب، فبسبب ندرة استخدام الهوامش، لم نستطيع التمييز بين ما هو رأيه وما هو منقول عن آخرين.
 
يغفر للمؤلف هنا أنه قدم مادة دسمة من المعلومات للقارئ، وأنها محاولته الأولى في الكتابة عن التاريخ، بعد إصداره لروايتين هما رصيده في الكتابة حتى الآن.


التعليقات (0)