قضايا وآراء

مهرجو السيرك في العالم العربي

شريف هلالي
1300x600
1300x600
يبدو أن عالمنا العربي في كثير من الأحيان أشبه بالمولد المليء بمظاهر اللهو واللعب دون هدف سوى الضحك على رواده وسرقة أموالهم أحيانا، فهناك ساحة للمراجيح يلعب فيها الأطفال، وهناك ساحة أخرى للتنشين على الدمي، وساحة ثالثة يستعرض فيها بعض الأقوياء أجسادهم في دفع العربة بأقصى قوة، وهناك خيمة يغني فيها مطربون شعبيون بصحبة راقصات على نغمات قبيحة في أغلب الأحيان، وهناك لاعبو "الثلاث ورقات" الذين يستهدفون الحصول على أموال الرواد بطرق الخداع المعروفة، وهناك خيمة أخرى تضم سيركا منصوبا يعرض نمرة البلياتشو ليضحك الحاضرين من الفئات الشعبية الكادحة وأبناءهم؛ سعيا للحصول على بعض المتعة بجنيهات قليلة تتناسب مع دخولهم المتواضعة.

كل هذه السيركات المنصوبة تجدها حاضرة بقوة في عالمنا العربي سعيا لإلهاء المواطن الغلبان بكافة السبل، وخاصة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بمشاكل الفنانين والنوادي الرياضية والفضائح الجنسية، وشغله عن المطالبة بحقوقه السياسية والاقتصادية، بقيام برامج التوك شو الرسمية بمهمتها المقدسة بتزييف الوعي الشعبي، والمطالبة الدائمة من المواطنين بمزيد من تحمل الأعباء الاقتصادية وتحميلهم السبب الرئيسي في كل المشاكل بزيادة الإنجاب، وقلة العمل وعدم استغلال الموارد المتاحة.

في المقابل، فالسلطة بريئة، فليس في الإمكان أبدع مما كان، فلا هم للسلطات العربية إلا مزيد من الجباية وبناء المزيد من الجسور والمدن التي لا يسكنها أحد. فالاستثمار والاتجار في أراضي الدولة مورد هائل لأجهزة الدولة، حتى باتت الدولة المقاول الرئيسي في ظل هيمنة كاملة على النشاط الاقتصادي دون بناء أي مشاريع إنتاجية حقيقية، واختراع صناديق سيادية تغيب عنها رقابة الأجهزة الرقابية، وفي غياب الاهتمام بالصحة والتعليم وهما ركنا أي عملية نهضوية.

وهي أشبه في الحقيقة بمصاصي الدماء الذين يقومون باستنزاف موارد شعوبهم الوطنية، والتخلي عن كافة الصناعات الأساسية والإنتاجية، وبيعها إلى الأجانب ورجال الأعمال، وممارسة التجارة لصالح أفراد في السلطة.

ولا تجيد هذه السلطة إلا التفنن في طرق لتحميل المواطن الغلبان بأعباء إضافية للحصول على الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وغاز وتعليم ورعاية صحية، والذي أصبح في ماراثون يومي يسعى من خلاله للحصول على احتياجات أسرته الأساسية، سواء بالعمل ساعات أكثر أو بالتكسب من وراء عمله بشكل غير مشروع.

والسلطة العربية تستمر في سعيها الفاشل تاريخيا لاستمرار الهيمنة المطلقة على المجتمع من خلال السيطرة على المؤسسات التشريعية والقضائية، بتجميد الدساتير والانقلاب عليها أو بتعديلها لما يتواءم مع استبداديتها، والسعي لخلق نظام انتخابي يرسخ لوجود الأجهزة الأمنية والأحزاب المصنوعة والتابعة للسلطة تحت عناوين براقة، سواء مناهضة الفساد أو "تحيا الوطن"، لتسيطر هذه الأحزاب على المجالس النيابية بطرق غير مشروعة، بشراء الأصوات وتزوير الصناديق واستغلال فقر المواطنين، وفي نفس الوقت العمل على إضعاف استقلال السلطات القضائية، وضرب المجتمع المدني في مقتل، وإجهاض حرية الإعلام وتداول المعلومات من خلال سيطرة الإعلام الرسمي، وفرض تشريعات الحبس الاحتياطي المطول والاعتقال المتكرر للشباب وقيادات الأحزاب لإجهاض أي محاولة للتغيير.

في هذا المهرجان أو المولد المنصوب يوميا لتغييب الشعوب، نجد الكثيرين من النخب العربية التابعة للسلطة أو في المعارضة الصورية، والإعلاميون والفنانون المرتزقة ورجال الدين يشاركون بدورهم في هذا المولد، وهم لا يستهدفون الا استمرار ملء حساباتهم البنكية بملايين الدولارات، حتى لو كانوا بوقا لأجهزة الأمن التابعة للسلطة، في تطبيق لمقولة المثقف الخائن التي رسمتها عدد من الروايات العربية؛ لعل أبرزها رواية اللص والكلاب للأديب الكبير نجيب محفوظ، كبديل عن نموذج المثقف العضوي المخلص لقضايا شعبه.

كذلك نجد قريب الشبه بالمهرجين طائفة من الوزراء وأساتذة الجامعات يمارسون النفاق السياسي بتبرير أفعال السلطة والدفاع عنها والالتزام بمقولة عبيد المأمور، فلا تمتلك هذه الفة شجاعة إبداء الرأي أو معارضة آراء السلطة، أو الاستقالة في حالة الخلاف مع توجهاتها.

هذه النخب كما ممثلي السلطة يشبهون كثيرا بعض مهرجي السيرك ولاعبي الثلاث ورقات، الفارق البسيط أن الأخيرين يسعون لرسم البسمة على وجوه الأطفال وأسرهم ورواد السيرك الغلابة، بينما الطائفة الأولى تقوم بما يشبه لاعبي الثلاث ورقات برسم الألاغيب وخلط الأوراق، وتعمية الشعوب عن قضاياها الأساسية وخلق الأعداء الوهميين، وإرهاب الآخرين من المثقفين بحبسهم في السجون.

هذه الأنظمة مجرد سلطات شاخت في مواقعها كما وصفها أحد المثقفين المصريين، ولم يبق منها إلا بقايا منسأة تتوكأ عليها كما عصا سليمان، تسعى إلى عقد الصفقات مع الدول الكبرى لنيل تأييدها والاستمرار في مقاعدها، أو تقوم بالتطبيع المجاني مع العدو التاريخي للأمة رغم استمرار نواياه العدوانية تجاه شعوبنا العربية واحتلال أراضيها، ورفض قيام أي دولة فلسطينية، والعدوان على الشعب الفلسطيني وارتكاب جرائم الحرب المتواصلة ضده.

هذه السلطات العربية سواء جاءت من المؤسسة العسكرية أو المدنية فهي تكره الديمقراطية والتعددية، ولا تثق بالإعلام الحر أو الأحزاب، او بالفصل بين السلطات، أو بالتوازن بين البرلمان والحكومة، ولا تؤمن بالانتخابات الحرة. والدستور لديها مجرد وثيقة شكلية، تضع مبادئ غير قابلة للتطبيق، وهذه السلطات فاقدة للشرعية التي يمنحها الشعب لحكامه والتي تعني اقتناع الشعب بأحقية السلطة وجدارتها. وهذا لاقتناع هو جوهر الشرعية ومغزاها، ولا تغني عنه كل أشكال السطوة والرهبة والنفوذ حتى لو أحاطت نفسها بعشرات الدساتير والقوانين، على حد قول كاتبنا الراحل أحمد بهاء الدين.
التعليقات (0)