قضايا وآراء

روسيا وأوكرانيا.. حرب الخسائر لا الأرباح

امحمد مالكي
1300x600
1300x600
وأخيرا فعلها سَيّدُ الكرملين "فلاديمير بوتين"، حيثُ تخوض آلتُه العسكرية حربا برية وجويا وبحرية على الأراضي الأوكرانية، دمّرت المنشآت، وأضرّت بشرايين الاقتصاد والإنتاج، وأماتت المدنيين، ودفعت بدون رحمة بالآلاف إلى مغادرة منازلهم مرغمين، وفي زمن قياسي أصبحت الدول المجاورة تعج باللاجئين الأوكرانيين، والعالقين الذين يبحثون عن منافذ للعودة إلى أوطانهم.. إنها الحرب التي استنكف الرئيس بوتين وطاقمه الحكومي عن النطق بها، واعتبارها حربا حقيقية على بلد عضو في الأمم المتحدة، متمتع بكامل السيادة والاستقلال.

لذلك، يجهد الإعلامُ الغربي من أجل تقديم صورة عن الرئيس الروسي أكثر تأثيرا على الرأي العام الدولي، وقد شرع في توظيف كل وسائله منذ اندلاع الهجوم على الأراضي الأوكرانية في 24 شباط/ فبراير 2022. فقد تمّ تشبيهه بزعيم النازية "أدولف هتلر"، والتأكيد على أنه أصبح منبوذا في العالم، وأن كل ما أقدم عليه يدخل في خانة الأعمال المصنفة في خانة جرائم الحرب، التي يتوجب النظر فيها أمام "محكمة الجنايات الدولية".

ثم إن من ضمن ما تصدر عناوين الإعلام الغربي أن "بوتين" يريد إحياء أمجاد الإمبراطورية الروسية وعظمة الاتحاد السوفييتي، المنهار أواخر العام 1989، وهو ما يفسر الخطوات التي أقدم عليها لحطة توليه الحكم عام 2004، وفي مقدمتها ضمّ جزيرة القرم (Crimée) سنة 2014.
يجهد الإعلامُ الغربي من أجل تقديم صورة عن الرئيس الروسي أكثر تأثيرا على الرأي العام الدولي، وقد شرع في توظيف كل وسائله منذ اندلاع الهجوم على الأراضي الأوكرانية في 24 شباط/ فبراير 2022

من الطبيعي جدا أن تتضارب الروايات في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الرقمية حول حدث كبير وخطير لم تشهد أوروبا والعالم نظيرا له منذ نهاية الحرب الكونية الثانية، أي الحرب على أوكرانيا. فالإعلام، بحسبه قوة ناعمة، ظل على الدوام رافعة أساسية للحرب والمتحاربين. لنتذكر التوظيف الذي قامت به النازية للإعلام في الحرب الثانية، والأدوار التي لعبها الإعلام الأوروبي في مواكبة انهيار ما كان يسمى "الاتحاد السوفييتي"، أيضا قوة الآلة الإعلامية في حروب المنطقة العربية، العراق وسوريا على وجه الخصوص.

لكن ما هو ثابت، وما أكده التاريخ في الكثير من الوقائع والأحداث، أن ليس كل ما يُروّج في الإعلام يتمتع بالصحة والصدقية، بل هناك العديد مما كشف التاريخ عدم حصوله في الواقع. لذلك، ما يبدو واضحا في زحمة فصول الحرب الجارية في أوكرانيا، أن ثمة صراعا بين قوتين رئيستين، هما الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ورائها أورويا الغربية، وروسيا وغير بعيد عنها الصين ودول قريبة منهما، وأن لكل قوة استراتيجيتها، أي أهدافها ومقاصدها من الصراع، والمنطق الذي تُدير به وقائع الحرب.

يتأسس منطق الغرب، بمختلف مكوناته، على رؤية مفادُها أن ثمة تهديدا للأمن الأوروبي والعالمي عموما من قبل روسيا، وأن الدفاع عن المصالح الحيوية العليا للغرب يقتضي إيقاف الطموحات الروسية، وثني إرادة بوتين عن التمدد في اتجاه الدول المجاورة لبلاده، وفي مقدمتها أوكرانيا، كما حصل مع جزيرة القرم عام 2014. بل يجب بحسب هذا المنطق حصر دائرة نفوذه، وإيقاف طموحاته في إعادة إحياء الاتحاد السوفييتي المنهار.
يتأسس منطق الغرب، بمختلف مكوناته، على رؤية مفادُها أن ثمة تهديدا للأمن الأوروبي والعالمي عموما من قبل روسيا، وأن الدفاع عن المصالح الحيوية العليا للغرب يقتضي إيقاف الطموحات الروسية، وثني إرادة بوتين عن التمدد في اتجاه الدول المجاورة لبلاده، وفي مقدمتها أوكرانيا

والحقيقة أن فلسفة هذا المنطق لم تظهر مع 2014، أو حتى مع 2022، بل تعود جذورها إلى نهاية ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حين شددت أدبيات كثيرة على نهاية الثنائية القطبية وتوحّد العالم في قطب واحد، يقوده الغرب بمنظومته القيمية والثقافية، وهو ما لم تؤكده الوقائع في الأرض، حيث بزغت قوى جديدة، فرضت وجودها ومكانتها في المنتظم الدولي، كما هو حال الصين، والهند، ودول من أمريكا الجنوبية، كما أخذت دول تُسمع صوتها الداعي إلى الاستقلالية والتحرر من الاستعمار القديم، كما هو حال أقطار عديدة من أفريقيا. بل يمكن أن نضيف أن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بدأت تتراجع قوتها، وتفقد تدريجيا قدرتها على زعامة العالم، كما أبان عن ذلك باقتدار الباحث الأمريكي "بول كنيدي" في كتابه الشهير "صعود وسقوط القوى العظمى" (1987).

أما من جهة الجانب الروسي، فينهض منطق قادته على أن الغرب، وأمريكا تحديدا، يسعى إلى تقزيم نفوذ روسيا، بحصر جغرافيتها، وجغرافيتها السياسية، وإضعافها بالتدريج، بأفق إزالتها كقوة منافسه لأمريكا. أما بوابة ذلك فتكمن في أوكرانيا، التي اشتغل الغرب منذ سنوات على استمالتها إليه، لتسهيل انضمامها إلى حلفها العسكري، قبل الاعتراف بها، مع مرور الوقت، عضوا في حظيرتها السياسية والاقتصادية.

ثم إن خطة أمريكا في الحرب الدائرة في أوكرانيا، بحسب المنطق الروسي ذاته، يُراد منها إيقاف المشروع الروسي الألماني الخاص بتزويد الألمان بالنفط والغاز، أي خط الأنابيب "نورد ستريم 2"، الذي كان جاهزا للانطلاق وينتظر المصادقة النهائية الألمانية. والحقيقة، توقعت جل الدراسات والمهتمون بهذا المشروع فائدته القصوى في تزويد ألمانيا وأوروبا بالطاقة النظيفة، ومنافعه الكبيرة لروسيا، ناهيك عن دوره المفصلي المنتظر في تسبيك العلاقات بين ألمانيا وروسيا أولا، ولاحقا بين روسيا وأوروبا الغربية، وهو ما يعني خلق مناخ الثقة بين جناحي أوروبا، وتوطيد العلاقات الاقتصادية والتجارية.
الحرب الدائرة في أوكرانيا هي حرب مصالح، وإن قُدمت أوكرانيا ساحة قتال، وأن مآلاتها ستُفضي إلى رسم خريطة جديدة للعالم، كما حصل مع اتفاقية يالطا عام 1945. لكن قبل الوصول إلى توافق حول الصورة الجديدة، قد يعرف العالم خسائر مادية وبشرية كثيرة

وقد تُفضي هذه الديناميات إلى تفكيك تبعية أوروبا للولايات المتحدة الأمريكية التي استدامت منذ نهاية الحرب الثانية، أو على الأقل إعادة صياغتها بما يسمح لأوروبا بقدر واضح من الاستقلالية. وإذا أضفنا الصعود المتنامي للصين دوليا، فإن النفوذ الأمريكي لا محالة سيتراجع، وسيتمكن العالم من السماح بوجود تعدد متوازن للقوى، وليس هيمنة قوة وحيدة، كما تمّ التبشير بذلك منذ نهاية الاتحاد السوفييتي (1989).

نخلص إلى أن الحرب الدائرة في أوكرانيا هي حرب مصالح، وإن قُدمت أوكرانيا ساحة قتال، وأن مآلاتها ستُفضي إلى رسم خريطة جديدة للعالم، كما حصل مع اتفاقية يالطا عام 1945. لكن قبل الوصول إلى توافق حول الصورة الجديدة، قد يعرف العالم خسائر مادية وبشرية كثيرة أكثر من جنيه الأرباح والفوائد.
التعليقات (0)