تقارير

راضي صدّوق.. الفلسطيني الذي غنّت أم كلثوم قصيدته المسروقة

محمد راضي صدوق شاعر فلسطيني ولد في طولكرم قبل أن يهاجر ويجوب العالم ليموت في الأردن
محمد راضي صدوق شاعر فلسطيني ولد في طولكرم قبل أن يهاجر ويجوب العالم ليموت في الأردن

لم يكن غناء أم كلثوم لقصائده أهمّ عمل أنجزه، أو طريقة سرقة قصائده التي سنأتي عليها في سياق المقال أهمّ خبر عن شاعرنا، بل إن أهمية شاعرنا تكمن في موسوعيته وخدمته لفلسطين في دوره الإعلامي الرائد في الأردن وروما والصحافة والإعلام في دول الخليج (الكويت والسعودية وقطر).

في حديث عبر الواتساب مع الباحث محمد عمر حمادة (صاحب موسوعة أعلام فلسطين)، تحدثنا عن الموسوعات الشعرية، فقال: أعتقد أن كِتاب "شعراء فلسطين في القرن العشرين" للدكتور راضي صدوق من أفضل ما صُنّف في هذا المجال، وأن ما جاء بعده لم يضف إلا القليل.

وكان الحديث عن حرص راضي صدّوق على عدم إطلاق اسم "موسوعة" على كتابه، رغم أنه من أهم ما كتب في هذا المجال.

وكتابه الذي أصدره في بيروت عام 2000 بعنوان "شعراء فلسطين في القرن العشرين - توثيق أنطولوجي"،  يوثق للشعر الفلسطيني خلال القرن العشرين، ويكاد يكون الأشمل من بين الموسوعات والمختارات التي تصدّت لهذه المهمة، حيث اشتمل على 293 دراسة عن شاعرٍ من الشعراء الفلسطينيين أو شاعرة من الشاعرات الفلسطينيات مع إيراد نماذج من أشعارهم وفق تطورهم ونضوجهم الإبداعي، وهو الرقم الأكبر حتى الآن، رغم أنه سبقه كامل السوافيري وعبد الرحمن الكيالي ويعقوب العودات ومحمد شراب وحسين لوباني وطلعت سقيرق.. وغيرهم.

من هو راضي صدّوق؟

ولد محمد راضي صدقي صدّوق عام 1938 في مدينة طولكرم في فلسطين. حصل على بكالوريوس اللغة العربية من جامعة القاهرة. عمل مدرّساً سنتين، ثم اتجه إلى العمل الصحفي والإعلامي.

دخل الصحافة عن طريق الأدب وشغل خلال رحلته الصحفية مواقع عديدة منها رئاسة تحرير عدد من الصحف اليومية والمجلات: رئيس تحرير مجلة "رسالة الأردن" الأسبوعية الصادرة عن وزارة الإعلام الأردنية، ورئيس تحرير مجلة "حماة الوطن" الشهرية الصادرة عن الجيش الكويتي، ومدير عام ورئيس تحرير جريدة "الأيام"، وهي أول جريدة يومية صدرت باللغة العربية في روما، رئيس تحرير مجلة "الرائد العربي" الأسبوعية، كما أنشأ جريدة "الهدف" الأسبوعية الكويتية عام 1961، وجريدتي "الوطن" و"السياسة" الكويتيتين وعمل مديراً لتحريرهما. كما أنشأ مجلة "البيان" الشهرية التي أصدرتها رابطة الأدباء الكويتيين.

وعلى صعيد الإعلام المرئي والمسموع، عمل مستشاراً ثقافياً للإذاعة الأردنية، وانتُدب مع زميل آخر لتأسيس الإذاعة القطرية، كما عمل في الإذاعة السعودية مشرفاً على إدارة الأحاديث والثقافة، ومنها نُقل للمساهمة في تأسيس منظمة إذاعات الدول الإسلامية وشغل منصب المدير البرامجي للمنظمة. عمل أيضاً مديراً لإدارة النشر والاتصالات في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض.

كان عضواً في المؤتمر التأسيسي الأول لاتحاد كُتَّاب وصحفيّي فلسطين، ونقابة الصحفيين الأردنيين، واتحاد الصحفيين العرب، واتحاد كتاب آسيا وإفريقيا، ومنظمة "بِنْ" العالمية لحرية الصحافة والفكر ومقرّها بلندن، والجمعية العربية للدراسات الدولية في واشنطن، والمؤتمرات التأسيسية الأولى للمجلس الوطني الفلسطيني. وكان سكرتير عام المؤتمر الفلسطيني في الكويت عام 1965، وعضواً مراقباً في مؤتمرات وزراء خارجية الدول الإسلامية، وعضواً في عدة مؤتمرات للجمعية العمومية لاتحاد إذاعات الدول العربية، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية.

توفي شاعرنا في عام 2010 عن عمر يناهز 72 عاماً في عمان، ودفن فيها.

قصائده المسروقة وأم كلثوم

كثيرة هي قصائده المسروقة، لكن أهمها هي ما غنته أم كلثوم على أنه للأمير عبد الله الفيصل، وقد روى شاعرنا الحكاية في مقالاته الأخيرة قبل وفاته، فكما يرويها هو:


أما الطامة الكبرى التي يبكي مثلي دماً عليها، فهي القصيدة التي انتزعَها مني بالقوة، الأمير عبد الله الفيصل (الابن البكر للملك فيصل بن عبد العزيز)، أيام كنت أعيش في "جدّة"، وكان وقتها هو المسؤول الأول "الخفيً" عن أجهزة المخابرات في المملكة العربية السعودية. وقد حاولت، عبثاً، التهرُّب منه، لكن دون جدوى. فقد صادفني، ذات يوم، وأنا خارج من المستشفى اللبناني في "جدة" وحوله حرسه، فقبض على يدي وضغط بشدًة حتى كاد يكسر أصابعي، وصَعد عينيه في عيني كمن يريد أن يُرهبني، وهو يقول لي بلهجته النجدية: فاكر إنك تقدر تهرب منا؟ "تراك انت ببلدنا".. وكان معنى العبارة الأخيرة واضحاً لا يحتاج إلى تفسير. ثم أضاف: اسمع، تراها "ست الكل" (يقصد أم كلثوم) رايحة تكون في "جدة" بعد عشرة أيام.. ولا بدً تكون القصيدة حاضرة، وإلا.. وكانت قصيدة "من أجل عينيك"، بعد أيام من هذا التهديد، جاهزة، ومُستسلمة بين يدي الأمير عبد الله الفيصل، قبل أن تصل "ست الكل" إلى "جَدّة"! 

ومطلعها:

من أجل عينيك عشقت الهوى        ..                  بعد زمان كنت فيه الخَلي
وأصبحت عينيَ بعد البُكا             ..                         تقول للتسهيد: لا ترحل
يا فاتنا لولاه ما هزًني                 ..            شوقٌ، ولا طعمُ الهوى طاب لي
هذا فؤادي فامتلك أمرَه              ..                  واظلمْهُ إن أحببتَ أو فاعدلِ

وهناك قصة طريفة، مؤلمة وموجعة، حدثت مع الأمير. فقد كنت في مجلسه على الغداء في قصره ـ وكنت أغشى مجلسه كارهاً مُكرَهاً ـ إذا به يلتفت إليً فجأة وهو يقول: أنت فلسطيني؟ قلت: والحمد لله.. عاجَلني بالقول: لو إنك فلسطيني بصحيح لنظمتَ قصيدة عن القدس.. وأكمل: تراك ما تسمع الأخبار هذي الأيام عن القدس؟ قلت: بالطبع أسمع يا طويل العمر.. فأنا أشتغل في الإعلام والإذاعة. وعندما انتهى الغداء والحديث وحان أن يَنفضَّ مجلس الأمير، خرج كعادته ليُودّع بعض الحضور.. ولمًا جاء دَوري، أخذني جانباً وهمس في أذني: ترى أبغي قصيدة القدس تكون جاهزة في يومين أو ثلاثة.

بعد أيام نُشرت قصيدة عن القدس على الصفحة الأولى من جريدة "البلاد" مكتوبة بريشة خطّاط ماهر، وليس بحروف المطبعة، ممهورة بعبارة "رائعة جديدة لصاحب السمو الملكي الأمير الشاعر عبد الله الفيصل" تتصدّر قصيدتي!

لم تنتهِ القصة. فيما كنًا، بعد أيام، في مجلس الأمير "الشاعر"، وكان فيه الأمير والوزير وعالم الدين الكبير، إذا بـ "سموًه" يلتفت إليً وهو يقول: تقول إنك فلسطيني! لو كنت فلسطيني بصحيح لنظمت قصيدة تعارض فيها قصيدتي المنشورة في "البلاد"! قلت: إن شاء الله.. وبعد أيام عارضت قصيدتي الأولى التي نشرت باسمه عن القدس، بقصيدة ثانية!

ما أود تأكيدَه في النهاية.. إن كل ذلك كان من دون أيّ مُقابل مادي. فقط، كنت فلسطينياً لا مكان لي آوي إليه في "وطننا العربي الكبير".. قبل أن يُتاح لي الرحيل كارهاً مُكرَهاً، إلى ما وراء المحيطات.

مؤلفاته الشعرية

كان لي قلب، 1962. ثائر بلا هوية، 1966. النار والطين، 1966. أمطار الحزن والدم، 1978. الحزن أخضر دائماً، شعر في نثر، 1991. رياح السنين، 1996.

أعماله النثرية

الرغيف المحروق وقصص أخرى. بقايا قصة إنسان، رواية 1973، قولي أنك ستعودين. منفيّون إلى الأبد. كلمات ليس لها تاريخ، جزءان. فلسطين: هزيمة، تجربة، مصير. هوامش في الفكر والأدب والحياة، 1989. نظرات في الأدب السعودي الحديث، 1991. ديوان الشعر العربي، في القرن العشرين 1994. شعراء فلسطين في القرن العشرين توثيق أنطولوجي، 2000.

الجوائز 

جائزة القصة القصيرة للكتاب العرب، لبنان، عام 1964. جائزة صحيفة الندوة السعودية، عام 1969. جائزة قادة الفكر العالميين الدولية، من المجلس الثقافي الأوروبي في روما، عام 1983، وهو العربي الوحيد الحاصل على هذه الجائزة الدولية. الدرع التقديرية لعمادة السلك الدبلوماسي في الرياض، عام 2003. درع الندوة، في الرياض، 2004. الدرع التقديرية من السلطة الوطنية الفلسطينية برام الله، عام 2006.

فلسطين في شعره

كتب شاعرنا الكثير من القصائد عن فلسطين نقتطف منها بعض المقاطع. ففي قصيدة "دم الفداء" التي ألقاها بين يدي الملك فيصل، يقول:

غَنّيتُ مأساتي وعشتُ مشرّداً                    ..                   رمزاً لشعب لم يزل يتألمُ
تذروه سافيةٌ، وتسفعُهُ لظى                    ..                   وَيقيهِ لَفحَ الزَّمهريرِ مُخيَّمُ
شاخَتْ مواجِعُهُ وَطالَ ضَياعُهُ                   ..                    والدربُ مجهولُ النهايةِ مُظلمُ

وفي قصيدته التماثلية عن السيدة مريم عليها السلام والمرأة الفلسطينية النازحة في حرب 1967 "يسوع يولد عند الشريعة"، يقول:

غريبة وطفلها غريب
ما من هوية ولا إشارة
كأنه يسوع
يولد في مغارة
يعرفها الكهان والأحبار
في فمه البشارة

ومن أقوى قصائده "لعنة على الشعارات الكاذبة"، يقول:

تَفجّر يا دمَ التاريخِ، صُبَّ الموتَ واللهبا
وزلزِلْ صخرةَ الأقدارْ
لعلَّكَ تبعثُ الأحرارْ
لعلَّك تخصبُ الأرحامَ، تنجب من حشايا الموتِ أسطورة
لعلَّك، يا دمَ التاريخِ، تُشعلُ شعبَنا غضباً
لعلَّك تصنعُ العجبا
لعلَّ.. عسى.. تعود الدار!


وفي قصيدة "أرض القداسات"، التي عارض فيها "قصيدة الأمير عبد الله الفيصل!!"، يجدد الشاعر الأمل فيها بتحرير القدس بعد ظهور العمل الفدائي:

الفجرُ في أعماقنا قد صحا                  ..                    وسوف نجتاحُ الدجى بالضياءْ
إنَّ الفدائيينَ قد اقبلوا                        ..                    فاستبشِري بعدَ النوى باللقاء
من يزرعِ الموتَ على أرضنا                    ..                    لا بدَّ يَجني مِن ثرانا الفناء

في قصيدة "البراكين أفاقت" يقول:

ان دعت "يافا" إلى الموت نكن           ..                    كلُّنا يا صاحِ، للموتِ الجوابا
نحن في كلِّ ظلامٍ مشعلٌ             ..                    يهتكُ الليلَ ويجتاحُ السَّحابا
مِن خيامِ الذُّلّ فجَّرنا المنى              ..                    وأحلناها رحيقاً وشراباً

 

 


التعليقات (0)