مدونات

بطولات مناحيم في غزة

محمد سرسك
الأناضول
الأناضول
ما الذي حملني إلى هذه القذارة، إلى وكر الحشرات؟! لماذا لم تبقوا صامتين، تلتقمون ما نلقي إليكم من بقايا، وما تجود به نفوسنا الشحيحة.. نحاصركم من الأرض والبحر، ونهبط عليكم متى شئنا من السماء؟!

عائلة جدي عانت كثيرا، بل واقتيد بعض أفرادها لمعسكرات الإبادة. كان صراخهم يعلو، ولم يشفع لهم أحد. الألم ليس جديدا، لكن هذه المرة ليس من نصيبنا، فنحن قد اكتفينا.

ليس لنا موطئ قدم إلا هنا، ألم تفهموا، كم يجب أن نسحق منكم حتى تفهموا؟!

كان مناحيم يستذكر أشياء كثيرة وهو متمترس مع جنود آخرين بين ركام المباني التي أنهكها قصف الطائرات. بين فينة وأخرى تمر أمامهم بعض العائلات المذعورة هاربة بحياتها وقليل من متاعها، يظهر رجل عجوز بمشية بطيئة، متكئا على عصاه، يتبع خطو الهاربين.

- ساعده يا مناحيم (أحد الجنود).

- سأساعده عندما ينهي قطع الشارع العريض.

يقهقه الجميع..

وبعد أن بذل العجوز كل طاقته حتى يصل الناحية الأخرى بأمان، تلقى طلقات عديدة، فتكوّم جثة هامدة.

يعود مناحيم إلى ذكرياته..

جدّي كان مقامرا سيئا وخاسرا، وعندما يثمل في شرابه، كان يعيث في البيت خرابا، كي تعطيه جدتي ما لديها من نقود، كانت قوّادة في حانات برلين. كانت تكسب جيدا. كان بيتهم صغيرا وقذرا، هكذا أخبرني أبي، لكن بالكاد كانت جدّتي تسدّد الإيجار وتؤمّن بعض الطعام لها ولأبي.

الآن بيتي كبير، تحيط به حديقة، وُلدت هنا. وقال أبي إنه أحضر جدّي وجدّتي بعد أن وعدتهم الوكالة اليهودية ببيت وعمل. لقد وجد أبي البيت جاهزا ودافئا، كان قد تم بناؤه منذ زمن طويل. لقد كان بيت أحدهم، كانت أوانيهم وفرشهم وأمتعتهم مرتّبة في أماكنها، فقط نزعنا صورهم عن الجدران.

يصعد مناحيم على الدبابة مع آخرين، ينطلقون في شوارع غزة المهجورة والمدمّرة. تصادفهم سيارة مدنية فيها عائلة من النازحين..

- إنها الحشرات ثانية (أحد الجنود).

- ماذا نفعل يا مناحيم؟

- جهّز الطلقات (صمت).

- أطلق..

تستحيل السيارة قطعا متطايرة، وتتبعثر الأشلاء.. يصفق الجنود داخل الدبابة ويضحكون.

فرح جدي كثيرا بالبيت الجديد، أصبح يمضي ساعات النهار في الحديقة، أما أبي فقد عمل في الجيش، كان يؤمّن احتياجات والديه بأريحية.

هل يظنّون أنهم سيعودون لبيوتهم، أو أننا سوف نغادر هذه الأرض؟ ألم يسمعوا الإله عندما وعد؟.. من يشكّك في وعد الإله؟! إنهم كَفَرة وجَهَلة، أو إنهم بلا إله.

- انظروا هناك.. من يختبئ بين الركام.

يتجمّع الجنود، يطلقون النار بكثافة ثم يسود الصمت.

ينطلقون ناحية الركام، بحذر شديد ينتشرون في أنحائه. كان هناك شاب في مقتبل العمر، ملابسه متّسخة، وقد أرهقه الجوع والعطش، انهال الجنود عليه بالضرب. كان مستسلما بلا حول ولا قوة، يخرج أحد الجنود علم إسرائيل من عتاده.

- قبّله أيها الكلب.

لا يستجيب رغم كسوره وأوجاعه..

- قبّله أيها الحشرة.

ينهالون عليه ضربا من جديد، أحدهم ينزع عن المسكين قميصه الصوفي.. يُخرج مناحيم سكينا عسكريا من حزامه، يمررها ببطء على جسد الشاب المستكين، وبتأنّ يرسم النجمة السداسية على ظهره، وتسيل الدماء، يطلقون النار في الهواء وحول الشاب الممدد على الأرض، وفيما هم كذلك تدوي قذيفة من المجهول، تنفجر في الجميع. ماتوا جميعا عدا مناحيم، الذي حملوه وقد قُطعت ساقاه.
التعليقات (0)