ببلوغرافيا

داود معلّا.. شاعر القدس الذي لم تنصفه الثقافة

قال عنه الأمراني إن الذي يطالع ديوان "حديث الريح" سيقول إنه يستحق لقب "شاعر القدس" فكيف بمن قرأ ديوانه "الطريق إلى القدس"؟-
قال عنه الأمراني إن الذي يطالع ديوان "حديث الريح" سيقول إنه يستحق لقب "شاعر القدس" فكيف بمن قرأ ديوانه "الطريق إلى القدس"؟-
أعترف أنني لم أكن قد انتبهت إلى اسم هذا الشاعر المُجيد أو قرأتُ شعره قبل وفاته. وأول قصيدة سمعتها له هي قصيدة "الشجر المأسور"، بصوت الفنان أيمن الحلاق في أحد إصداراته.

لفتتني هذه القصيدة، ففتشت عنها وعن صاحبها، وبدأتُ أقرأ شاعرَنا وإنتاجه. وهنا نستعيد السؤال الدائم، لماذا لم يأخذ شعراء فلسطين في الثمانينيات والتسعينيات نصيبهم وحظهم من الشهرة والتقدّم، إلا إذا كانوا في بيروت ضمن عصبة الشعراء والكتّاب الذين رعتهم دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية؟

ورغم أن شهرته لم تفُق شهرة زملائه، ولم يمتهن الأدب، ولم يحترف الشعر، ولم يجُل في الصالونات الأدبية والعلاقات الثقافية، ولم يُدرّس اللغة العربية، ودرسها متأخراً (بعد الخمسين من عمره)، إلا أنه استحق أن يلقبه بعض النقاد "شاعر القُدس"، ومنهم الدكتور عمر الساريسي والدكتور حسن الأمراني، الذي استحسن شعره عن القدس وخصوصاً:

يا قدسُ ضُمِّيني إليكِ ففي يدي       ..            جُرحٌ قديمٌ لا يزالُ جديداً
يا قُدسُ ضُمٍّيني فإني خائفٌ              ..             ألاّ أكونَ على ثَراكِ شهيداً

وقال عنه الأمراني إن الذي يطالع ديوان "حديث الريح" سيقول إنه يستحق لقب "شاعر القدس" فكيف بمن قرأ ديوانه "الطريق إلى القدس" ورأى تفاؤله بحتمية العودة إلى القدس..؟

من هو شاعرنا؟

إنه الشاعر داود موسى المُعَلاّ، ولد عام ١٩٣٣ في قرية المالحة من ضواحي القدس، ونشأ فيها. وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة القرية، وبرزت موهبته من الصف السابع، حيث إنه شارك بالعديد من المسابقات الشعرية، وكان الأبرز بين أقرانه في الحفظ والنظم، ومنذ ذلك الوقت أطلق عليه الطلاب لقب "الشاعر".

وفي عام 1948، عام النكبة، اندلعت الأحداث بين القرى الفلسطينية والعصابات الصهيونية، ومن بينها قريته.. أدّت إلى تدمير القرية وتهجير أهلها إلى منطقة الخليل في الضفة الغربية، مما كان له الأثر الكبير في نفس الفتى داود (13 سنة)، حيث انصبّت معاني اللجوء والغربة والتشريد فجأة في وجدانه.. وأخرجها شعراً مليئاً بالحب والثورة.

لم يحترف الأدب، كما ذكرنا أعلاه، بل إنه دخل معترك الحياة باكراً، وعمل مع والده في المقاولات والبناء في الضفة الغربية. وما لبث أن انتقل إلى عمّان في عام 1964، وعمل موظفاً في فندق الأردن. وبعد عشر سنوات أسس شركة مقاولات وعاد إلى العمل الحر.

ولما كان لجامعة بيروت العربية بعد النكسة دورٌ بارزٌ في تلقُّف طلاب الضفة الغربية وغزة، وتعليمهم بطريقة الانتساب، وخصوصاً للمواد الأدبية، فقد انتسب شاعرنا للجامعة، وحاز شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها عام 1989 في السادسة والخمسين من عمره.. وهي تجربة ثرية وزاخرة بالمواد، وليست مجرد انتساب وقراءة بعض الكتب (لكاتب هذه السطور تجربة مشابهة بالتخصص نفسه في عام 1994). فلم يمنعه العمل والعمر من تثقيف نفسه وتعليمها..

شارك الشاعر داود معلاّ في عدد من الأمسيات الشعرية في الأردن والخارج، آخرها مهرجان الجنادرية في الرياض 1997. واشترك بالمسابقة الشعرية لجائزة عبد العزيز سعود البابطين التي ينظمها مكتب البابطين في القاهرة، وفاز بجائزة «الإبداع الشعري» لعام 1996.

لم يثنِهِ عمله عن المطالعة، وخصوصاً دواوين الشعر التي يستعيرها أو يشتريها، وكان مواكباً للفعل الثقافي ومتابعاً له من خلال الحرص على متابعة المجلات الثقافية، مثل "الآداب" من لبنان و"الرسالة" من مصر و"العربي" من الكويت.

ولم يترك شاعرنا نظم الشعر، ونشر بعض قصائده في الصحف، وأذيع بعضها في التلفزيون الأردني.

وعندما بدأ العمل الحر تفرّغ قليلاً للشعر، وجمع أشعارَهُ وطبع أول ديوان له بعنوان "الطريق إلى القدس". ثم أصدر ديوانه الثاني "حديث الريح"، وانتسب إلى رابطة الأدب الإسلامي عام 1987.

عن شعره قال الناقد حسني جرار أنه "امتاز شعره بالفكرة الجيدة، والصورة الشعرية الموفقة.. وامتازت قصائده بحسن الديباجة وبراعة الاستهلال الذي يأخذ بِلُبِّ السامع أو القارئ من بداية القصيدة.".

شعره

ـ الطريق إلى القدس، شعر، عمان، 1984.
ـ حديث الريح، شعر، عمان، 1992.
ـ جرح مسافر فوق الريح، عمان، طبع بعد وفاته.

توفي الشاعر داود مُعَلاّ في ٤ حزيران (يونيو) ١٩٩٩ في الأردن.



نماذج من شعره

فتاة من فلسطين

ما بالُ هندٍ خلا من حُليِها الجيدُ             ..            هل فارقت حيَّها الصيدُ الصناديدُ
ما بالُها وشحوبٌ في ملامحِها              ..            أفراحُها الصمتُ والدمعُ الأغاريدُ
سألتُها وأنا مِنها على قدر                       ..            ما الخطب؟ قالت: أخطبٌ ذاك أم عيد؟
يا سائلي ودموع العين جارية                   ..             حَرّى أكفكفُها، والجسمُ مكدودُ
في العيدِ كيف أداري الدمعَ وا لَهَفي    ..              وكيف نسعى إلى زيناتها الغيدُ



الشجـــــر المأســــــور

عيناكِ مَالي أناديها فتعتذرُ                   ..                تومي إليَّ حياءً ثم تَسْتَتِرُ
حيرانة أم بقايا الصمت تمنعها             ..                من أن تبوح وفي أجفانها السّهَرُ
أشكو إليها فتُغضي وهي صارخة        ..               في صمتها، وشموع الليل تُحتضر
قد هِمْتُ فيها فلاقيتُ الهوى عجلاً    ..               نشوان يُحذف من همسي ويُختصر
قولي لِهُدبك أن يرقى، فما لبثت             ..              عيناي تسألُ في سري وتنتظرُ
عيناكِ يا قدسُ، شيءٌ ثمَّ يجذبني            ..               فيها فتغرقني أهدابُها السمرُ

أماه هل غضبت عيناك من غزلي؟         ..              هل تغفرين اذا ماجئت أعتذرُ؟
يا قدسُ كانَ سِوارُ السورِ ملعبَنا            ..              وكان فيه يموتُ الخوفُ والحذرُ
فأينَ يا قدسُ أهلونا.. وساحتُنا؟           ..              غاب اللقاء، فلا ركبٌ ولا سفرُ
لكنَّ جرحَك لا يغفو النزيفُ به               ..               ما زالَ حولَ ضِفافِ النهرِ ينتظرُ
فأنتِ فينا وفي أطفالِنا أبداً                  ..               وهل يخالف قلبَ الغيمةِ المطرُ
أطفالُ أمسِكِ ما زالت سواعدُهُم      ..                تَمتدُّ نحو ذُرى الأقصى وقد كَبُروا
تنقضُّ أعينُهُم شوقاً لساحتِه               ..                وتبرقُ النار فيها كلما نَظَروا
تميلُ حولَ شعاعِ الشمسِ أعظُمُهم    ..               وتستوي في صلاة الليلِ إن سهروا
تشتدُّ، فهي على الإيمان ثابتة               ..               تعتدّ، فهي بسيف الله تعتمر
إن تسأل النصر عنهم فهو صاحبهم      ..               أو تسأل الموت عنهم فهو يأتزر
ياقدس لا تعتبي إن طار بي قلمي        ..               إلى خيال توالت حوله الصورُ
ماذا أرى وهمومي فيك تدفعُني        ..               إلى الجنون.. وأين السمع والبصر؟!
من ذا يصدِّقُ أن الليلَ يكرهُنا                 ..               وأنَّ شمسَ ضُحاها كلُّها حُفَرُ؟
ونحن كنّا حُماة الأرضِ ما رفعتْ            ..               يدٌ علينا العصا، إلا وننتصرُ
هذا المكبّرُ والجرحُ الكبيرُ لظى               ..               يقولُ هذا دمُ الأحفاد يا عمرُ
ستلتقي حولَ نارِ النهرِ أذرعُنا                   ..             وسوفَ يقفزُ من أقدارِنا القدرُ
حتى نرى رايةَ الإيمانِ تجمعُنا                  ..             وينطقَ الشجرُ المأسورُ والحجرُ

*كاتب وشاعر فلسطيني
التعليقات (0)