ملفات

المغرب و"الإنقاذ" الجزائرية.. حسابات الداخل والخارج

المغرب تعامل بإيجابية مع المسار الديمقراطي ومع فوز الانقاذ في انتخابات 91 (عربي21)

كان المغرب ينظر بترقب شديد لتصاعد شعبية الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر منذ أواخر الثمانينيات، ولم تكن الحسابات السياسية المغربية في التعاطي معها مشوبة بكثير من التعقيد والحساسية، فمنذ دخول العلاقات المغربية الجزائرية مرحلة الانفراج في عهد الشاذلي بن جديد، بعد تدخل المملكة العربية السعودية للوساطة بين البلدين، ومصافحة رئيسي البلدين لبعضهما في القمة الإسلامية بالطائف، وتأمين قمة ثلاثية جمعت الملك فهد بن عبد العزيز والملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد تحت خيمة نصبت على الحدود المشتركة الجزائرية - المغربية عند نقطة العقيد لطفي في ثمانينات القرن الماضي. 

وقد ترتب عن هذا الانفراج لإعلان تجديد التزامات البلدين بتنفيذ مقتضيات اتفاق ترسيم الحدود وحسن الجوار المبرم عام 1969، وفتح الحدود بين البلدين.

بدأت الحساسيات الأولى تنطلق على خلفية انخراط الجزائر في مسلسل ديمقراطي شفاف سنة 1991، وذلك بعد انتفاضة الشعب الجزائري في 5 أكتوبر 1988، تصدرت نتائجها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فاختلطت حسابات الدولة المغربية، بين  وجهتي نظر، أولى تنتصر لنتائج الاختيار الديمقراطي الجزائري، وتعتبر ذلك مدخلا أساسيا لوحدة تكاملية مع الجزائر وحل سياسي عادل لقضية الصحراء، ووجهة نظر أخرى تراعي المصالح الفرنسية التي تتخوف من هيمنة الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الحكم بالجزائر ومخاوف تحول حديقتها الخلفية في المغرب العربي، إلى منطقة نفوذ الإسلاميين..

 

إقرأ أيضا: وقف المسار الانتخابي الجزائر 92.. أول الثورات المضادة عربيا

لقاءات مع جبهة للإنقاذ ومخاوف من مشاركة الإسلاميين في الانتخابات بالمغرب

والمفارقة أنه في الوقت الذي تبنى المغرب موقفا إيجابيا من المسار الديمقراطي الجزائري، ومن وصول الجبهة الإسلامية للإنقاذ كان ينظر بتوجس شديد لبداية تفكير الإسلاميين في المغرب بالمشاركة السياسية، بل أصدر أوامر من وزارة الداخلية برفض منح ترخيص لحزب وضع إسلاميو بنكيران ملفه القانوني بتزامن مع الصعود الانتخابي للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأوفد مستشاره الخاص بنسودة للقاء قيادات الإسلاميين، وإقناعهم بتأجيل خيار المشاركة إلى أن تتغير الشروط الدولية والإقليمية.

قد يبدو في الأمر بعض التناقض، لكن، في سياق التحولات المتسارعة، كان الملك الحسن الثاني، يضبط المعادلة بشكل دقيق، ويراعي تداخل السياقات الدولية والإقليمية والمحلية، فمن جهة، لم يتردد في عقد لقاءات مع قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إذ التقى زعيمها عباسي مدني، وتحاورا بشكل دقيق عن قضية الصحراء وعن الاتحاد المغاربي، وحصل تقارب كبير بين وجهتي النظر، بل أكدت قيادات الجبهة بعد ذلك حصول تطابق وجهات النظر بين الطرفين إلى الدرجة التي تم اتهما الجبهة جزائريا فيما بعد بالعمالة إلى المغرب، فلم ينف عباسي مدني في لقاء خاص مع الجزيرة حصول هذا القلاء وتطابق وجهة الطرفين في قضية الصحراء والاتحاد المغاربي، كما صرح القيادي  الثاني بالجبهة، علي بلحاج في حوار صحفي بأن "اللقاء بين الملك الحسن الثاني وبين عباسي مدني كان لقاء وديا. وأن من جملة أهداف الجبهة في السياسة الخارجية حينها هو دعم وحدة المغرب العربي، وحدة فعلية، وتعزيز الصلات بين بلدان المنطقة وأن نزاع الصحراء بين البلدين كان سيعرف طريقه إلى الحل" كما اعترف بأن عباسي مدني قال للملك الحسن الثاني على هامش قمة اتحاد المغرب العربي، أن موقف الجبهة من الصحراء: "قد يكون قريبا جدا من موقف المملكة المغربية".

 

إقرأ أيضا: الجزائر.. الانقلاب على انتخابات 91 دليل عجز على تقاسم السلطة

لكن، بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات، وتعاظم المخاوف الفرنسية من استمرار الوهج الانتخابي للجبهة، واحتمال سيطرتها على الحقل السياسي برمته، بدأ المغرب، يختار سياسة النأي بالذات، خاصة وأن جنرالات الجيش في الجزائر كانوا يقدمون المغرب إلى فرنسا باعتباره راعيا وحاضنا لهذه الحركة، وأن الملك الحسن الثاني أبرم صفقة سرية معها قايض فيها موقف الجبهة من الصحراء ومن المغرب العربي، بدعمها للوصول إلى الحكم في الجزائر وتطهير الحكم الجزائري من المعاديين للوحدة الترابية المغربية.

 

 

الملك الحسن الثاني عبر عن تمنيه ترك الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مربع السلطة، وانتظار سلوكها السياسي


ومما يفسر هذا التحول في الموقف المغربي، أن الملك الحسن الثاني، لم يدل بأي تصريح مساند للجبهة الإسلامية للإنقاذ طيلة الفترة الفاصلة بين الاستحقاقين الانتخابيين، وكان في الوقت ذاته، يبحث أوراقه المستقبلية في التعاطي مع الشأن الجزائري، خاصة وأنه كان يدرك أن القرار اتخذ للانقلاب على شرعية، وأن الجيش كان يبحث عن بديل للرئيس الشاذلي بن جديد المتهم نفسه من قبل جنرالات الجيش الجزائري برعاية هذه الصفقة السرية المزعومة.

ولم يصرح الملك الحسن الثاني بموقفه من فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلا بعد أن حصل الانقلاب يوم 12 كانون الثاني (يناير) 1992، وتم شرعنته فرنسيا ودوليا، إذ عبر عن تمنيه ترك الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مربع السلطة، وانتظار سلوكها السياسي، وكيف تتصرف في محيطها الداخلي استجابة لتطلعات الشارع، وأيضا في محيطها الخارجي، ما دامت هناك خيارات قانونية ودستورية لتقويم أي انحراف يمكن أن تقع فيه فيما بعد. 

إسلاميو المغرب يدافعون عن حجج بنسودة في منعهم من المشارك السياسة

كان لافتا الشكل الذي استجاب به إسلاميو المغرب لمطالب السلطة السياسية التي حملها مستشاره الملك محمد بنسودة إلى قيادة "حركة الإصلاح والتجديد" وقتها الأستاذ عبد الإله بنكيران، إذ لم تكتف بتبليغ جواب إلى الملك عبر مستشاره الخاص، ولكنها فضلت أن تتوجه إلى الأمة ببلاغ تشرح فيه دواعي امتناعها عن المشاركة السياسية، وتأجيلها ذلك لمرحلة لاحقة، تقديرا لمصالح المغرب العليا، وتفويتا للفرصة لمن يريد أن يبث الرعب من الإسلاميين ومن إمكان هيمنتهم على المنطقة المغاربية.

وقد انتظر الإسلاميون أكثر من خمس سنوات أخرى، ليتمكنوا من فتح ملف المشاركة السياسية من جديد، وذلك سنة 1997، بعد أن تمكنوا من الانخراط في حوار طويل مع قيادة الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية عبد الكريم الخطيب انطلق منذ سنة 1992، ودشن بعقد مؤتمر استثنائي للحزب سنة 1996، وضع الأداة المضمونة لمشاركة الإسلاميين السياسة في المغرب، إذ أذن لهم بالمشاركة في انتخابات 1997.

 


إقرأ أيضا: قيادي في الإنقاذ الجزائرية: الجبهة منتشرة في كامل البلاد

ويحكي وزير الداخلية المغربية الأشهر في تاريخ المغرب السياسي، إدريس البصري رحمه الله في مذكراته، أن الملك الحسن الثاني وجه إليه سؤالا مباشرا عن الرقم الذي يمكن أن يحققه الإسلاميون في نتائج الانتخابات لو هم شاركوا، وأنه التقط من السؤال الإشارة، وأجابه بأنهم يمكن أن يحصلوا على أقل من عشرة مقاعد، أي ما دون الفريق البرلماني، فأذن له الملك الحسن الثاني بأن يشاركوا في الانتخابات التي لم يفوزوا بها سوى بتسع مقاعد، أي أقل من عشرة التي أكد عليها وزير الداخلية المغربي إدريس البصري.

وإذا كان الإسلاميون المغاربة يصفون في العادة أول مشاركة لهم في الانتخابات التشريعية باعتبارهم محطة الانسياب السلس في المؤسسات، فإن الملك الحسن الثاني، كان يدبر مخلفات ما بعد إجهاض المسار الديمقراطي في الجزائر، والمخاوف الكبرى التي أبدتها كل من فرنسا وتونس في المنطقة، لاسيما وأن تونس كانت قد دخلت في تجربة استئصالية لحركة النهضة، وأن أي تصدر للإسلاميين للساحة السياسية في الجزائر يعني تهديدا سياسيا للسلطة السياسية في تونس.

 

إقرأ أيضا: كيف أغرق انقلاب 92 الجزائر في الدم والمنطقة في الاستئصال؟