كتاب عربي 21

التراجع الأمريكي العظيم

1300x600

في عام 2001، كان زمن الأحاديّة القطبية قد بلغ ذروته بعد صعود استمر حوالي عقد ونيّف، يمكن اعتبار هجمات 11 أيلول (سبتمبر) داخل الولايات المتّحدة بمثابة حدث فاصل في هذا الصعود تلاه غزو أفغانستان في نفس العام وغزو العراق في العام 2003، ومعهما بدأت مرحلة التراجع الأمريكي تتسارع مع إعلان الحرب على "الإرهاب" في مقابل صعود أقطاب أخرى على رأسها الصين التي باتت تتقدّم بشكل سريع على جميع اللاعبين لاسيما في الميدان الاقتصادي. 

يشكك البعض بصوابية هذا التحليل ويعتبرون أنّه لا تراجع جوهريا في قوّة الولايات المتّحدة وأنّ ما يجري مجرّد دورات صعود وهبوط في الصورة الكبرى لتي لا تزال الولايات المتّحدة تشغل الحيّز الأكبر منها. لكن وللمفارقة، يغيب عن هؤلاء أنّ الصورة الكبرى تعكس شيئاً آخر. الولايات المتّحدة لم تعد الاقتصاد الأكبر في العالم منذ سنوات. 

الاقتصاد الصيني يحتل المرتبة الأولى عالمياً منذ العام 2014، وحتى إذا ما أردنا أن نقيس الناتج المحلي الإجمالي للصين من الناحية الاسمية وليس من ناحية القوّة الشرائية، فهو يحتل المرتبة الثانية عالمياً منذ العام 2010، ومن المتوقع له أن يتخطى نظيره الأمريكي خلال العقد الحالي. 

الصين الدولة الأسرع نمواً والأكثر استدامة في النمو في العالم خلال القرن الماضي. هي الآن أكبر دولة تجارية في العالم، وأكبر مصدّر في العالم، وصاحبة أكبر احتياطي من العملات الصعبة في العالم، وتمتلك 4 من أصل أوّل 10 مراكز مالية تنافسية في العالم، وهي متقدّمة على الجميع في تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس، والأهم من ذلك أنّها تستثمر الفوائض المالية بشكل متزايد في بناء قوّة عسكرية. 

تدرك الولايات المتّحدة أنّ الأمر مجرّد وقت قبل أن تستطيع الصين اللحاق بها وربما تجاوزها. ولذلك، وبعيداً عن سياسة التحوّل باتجاه آسيا التي تمّ إطلاقها إبّان عهد الرئيس أوباما، فإنّ متابعة التحرّكات الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية الحالية على المستوى الإقليمي والدولي يمكن لها أن تكون بمثابة مؤشّر على وضع الولايات المتّحدة. 

 

واشنطن تريد أن تركّز في المرحلة المقبلة على الصين، ولذلك ستخّفف من تمددها الخارجي ومن مسؤولياتها الأمنية وتكاليف الأدوار الخارجية التي تقوم بها. هل يعني ذلك أنّها ستختفي من المنطقة بشكل كلي سواء في الخليج أو الشرق الأوسط؟

 



الولايات المتّحدة انسحبت جزئيا من سوريا، وأبرمت اتفاقاً مع طالبان للانسحاب من أفغانستان، وبموازاة ذلك يتعرّض جنودها في العراق إلى هجمات متزايدة دون اتخاذ قرار حاسم بالرد على إيران لإنشاء الردع المطلوب، الأمر الذي يدفعها بشكل متزايد لإنهاء تواجدها المباشر في العراق أيضاً بالشكل الذي كان عليه سابقاً. وبموازاة الانسحاب من أفغانستان والعراق، فإن هناك تقليصا واضحا لالتزامات الولايات المتّحدة الأمنية والتواجد المباشر في منطقة الخليج وليس أدل على ذلك من قدرة إيران المتزايدة على استهداف دول الخليج دون وجود رد أمريكي مباشر. 

مؤخراً، قامت الولايات المتّحدة بإعادة قاذفاتها الاستراتيجية المتمركزة في قواعد بعيدة مثل غوام إلى الأراضي الأمريكية، كما أنها أتبعت ذلك بسحب حاملة الطائرات (يو أس أس رونالد ريغان) الوحيدة العاملة في المحيط الهادئ، وذلك بحجّة دعم الانسحاب من أفغانستان. علاوةً على ذلك، فإنّ واشنطن أغلقت بعض القواعد العسكرية التابعة لها في المنطقة والتي كانت تستخدمها كمستودعات للمعدات العسكرية والأسلحة والذخائر، من بينها قواعد عسكرية في قطر. هذه الخطوة جاءت بعد أن كانت واشنطن قد سحبت أيضاً بطاريات الدفاع الصاروخي (باتريوت) و(ثاد) التابعة لها من دول كالعراق والكويت والأردن والسعودية والإمارات. 

التحرّكات الأمريكية من هذا النوع تخلق حالة من الفراغ وتؤدي إلى ازدياد الصراع والتنافس الإقليمي والدولي لملئه، وتقوّض من قدرات حلفاء أمريكا في المنطقة. فضلاً عن ذلك، فإنّ هذه الخطوات تبدو متناقضة مع الطرح الأمريكي العلني الذي يؤكّد باستمرار على أهمّية الدفاع عن الحلفاء. في حقيقة الأمر، فإن مثل هذه التحركات تبدو مغرية لخصوم الدول المتحالفة مع الولايات المتّحدة الأمريكية لزيادة الضغط أو الاعتداء عليهم من قبل قوى، مثل روسيا والصين وإيران.

هذه التحركّات اللوجستيّة بمثابة مؤشرات على الصورة الأوسع. واشنطن تريد أن تركّز في المرحلة المقبلة على الصين، ولذلك فهي ستخّفف من تمددها الخارجي ومن مسؤولياتها الأمنية وتكاليف الأدوار الخارجية التي تقوم بها. هل يعني ذلك أنّها ستختفي من المنطقة بشكل كلي سواء في الخليج أو الشرق الأوسط؟ بالطبع لا، لكن على الجميع أن يتعامل مع الوضع القائم كحالة طويلة الأمد من شانها أن تغيّر من الدور الأمريكي المعهود كمّاً وحجماً والتزاماً.