أفكَار

صراع الأجيال عند إسلاميي تونس والمغرب.. الدوافع والدلالات

تجربة الحكم فرضت صراعا من نوع آخر على إسلاميي المغرب وتونس- (عربي21)

تمر حركة "النهضة" التونسية وحزب العدالة والتنمية المغربي بتحديات داخلية متشابهة، على الرغم من اختلاف السياقات السياسية، واختلاف موقع كل حركة على حدة. فـ "النهضة" التي خرجت من التدبير الحكومي، واحتفظت بموقعها المتقدم داخل المؤسسة التشريعية، تعيش على إيقاعات خلافات داخلية حادة، على خلفية القرارات الاستثنائية المفاجئة، التي أعلن عنها الرئيس قيس سعيد منهيا بها التجربة المؤسسية التي أفرزتها التجربة الديمقراطية الانتقالية التونسية، ويوجه النقد الحاد للقيادة من طرف عدد كبير من القيادات الوسطى، وعدد أقل من القيادات التاريخية، ومعظم القواعد الشبابية، في حين، يعيش حزب العدالة والتنمية على إيقاع استقالات ومغادرات واحتجاجات عارمة من قيادات ومناضلين في الحزب من مختلف مناطق المغرب، وذلك على خلفية التدبير القيادي لقضية الاستحقاقات والترشيحات للانتخابات القادمة.

ومع أن وضع العدالة والتنمية المغربي مختلف نسبيا عن وضع "النهضة" التونسية، التي تواجه تحدي إبعادها عن مربع التأثير في البناء المؤسسي والسياسي، فإن التشابه يبقى قائما، وذلك على مستويين متداخلين، يؤول الأول للثاني، فالتحولات السياسية في كل من المغرب وتونس، والتي تؤشر على وجود إرادة ما لإزاحة الإسلاميين من مربع الحكم أو مربع المشاركة فيه، انعكست على الوضع الداخلي لهذين الحزبين، وأثرت على التماسك الداخلي، وجعلت القيادة في مرمى انتقادات النخب الحزبية من مختلف الأجيال.

نقد القيادة في تجربة حركة "النهضة"

تقدم وثيقة "لوائح المؤتمر العاشر" معطيات تفصيلية حول تاريخ نقد القيادة في تجربة حركة "النهضة" التونسية. ففي اللائحة التقييمية، التي قدمت نقدا ذاتيا لتجربة الحركة منذ ولادتها، قيمت سلوك الحركة ورؤيتها لقضية التغيير، ولاحظت توتر الأولويات في رؤيتها (أولوية النشاط الثقافي الدعوي وأولوية العمل السياسي)، وسجلت على القيادة ما أسمته بـ "القفز وحرق المراحل وذلك بالانتقال من الخيار الأصلي إلى ما أسمته "الاستراتيجية المؤقتة" بـ "بالاستثناء"، وذلك بسبب انعدام التقدير الصحيح للمواقف والاستجابة للاستدراج من قبل الخصوم دون وعي بالمآلات

وقد لاحظت الوثيقة تخبط رهانات التنظيم الشامل، إذ أراد أن يكون حاملا لجميع الأبعاد التربوية والاجتماعية والثقافية والسياسية، سريا وعلنيا في الوقت ذاته، متبنيا في ذلك مفهوم التنظيم الشامل، ومفهوم وحدة الحركة، وذلك منذ سنة 1986.
 
وتشير الوثيقة، في السياق ذاته، بوضوح إلى رفض القيادة بشكل قطعي لفكرة التخلص من التنظيم الشمولي، والاستعاضة عنه بفكرة التنظيمات المتوازية المستقلة هيكليا ووظيفيا التي تعمل كلها ضمن رؤية استراتيجية واحدة.

وتشير اللائحة التنظيمية أيضا، إلى توتر آخر حصل بعد الثورة، وبالتحديد عند انتخابات 23 أكتوبر 2011، وكيف عمدت قيادة الحركة على ترشيح القيادات للانتخابات، بحيث سيطرت قياداتها التنظيمية على رأس القوائم الانتخابية، مما أعطى الانطباع إلى دخول الحركة الانتخابات بعقلية التنظيم، لا بعقيلة الدولة.

وتقدم رواية أخرى لقيادي سابق في "النهضة"، حيثيات تفصيلية عن الإرهاصات الأولى لنقد القيادة، واستشراف مستقبلها بالقطيعة معها ومع سلوكها السياسي.
 
يشير في هذا الخصوص للصراع الذي نشب داخل مكونات القيادة سنة 1986، حول ضرورة الابتعاد عن التنظيم الشامل المحكوم بمركزية القيادة التاريخية، واقتراح صيغة للعمل تعتمد الروافد والواجهات والبدائل، وكيف اشتغلت القيادة التاريخية على نسف هذه الأطروحة، في المؤتمر، والالتفاف عليها بتبني خيار اللامركزية واللامحورية من خلال فكرة المكاتب التنفيذية المساعدة مركزيا والمندوبيات والأقاليم جهويا. كما يسجل عودة طرح الموضوع ذاته في المنفى سنة 1995، وكيف تحول هذا النقاش إلى موضوع رئيس في المؤتمر السابع المنعقد بتاريخ 2001، وطرحت بشأنه خيارات متعددة للتحلل من مركزية القيادة التاريخية وتحكمها في التنظيم، ويقيم الجلاصي مترتبات هذا النقاش، ويخلص إلى أنه لم يثمر شيئا من الناحية العملية، إذ استصحب المؤتمر السابع 2001 والمؤتمر الثامن 2007، الصورة الهيكلية المعادة معللا ذلك بحصول النقاشات في المنافي بعيدا عن مجال الفعل المجتمعي الطبيعي داخل البلاد .

ويقيم الجلاصي مخرجات مبادرة أخرى، طرحتها النواة القيادية (مشروع بحثي تقييمي) منذ سنة 2006، كانت من بين مشمولاته القضايا ذات الطابع المنهجي والتنظيمي والهيكلي. ويسجل حصول اتفاق على ضرورة عقد مؤتمر للحركة في صائفة 2011، للحسم في صيغ تدبير العلاقة بين مكونات الحركة ومجالات عملها، ويلاحظ أن النقاش لم يثمر أي حسم في أي الخيارات التي تتبناها الحركة في المؤتمر التاسع إلى أن جاء حاء المؤتمر العاشر الذي حصل فيه الاتفاق حول صيغة تدبير الدعوي والسياسي.

وإذا كانت هذه المحطات في تجربة حركة "النهضة" تكشف جانبا من الخلاف القيادي، الذي تم تغليفه وتبريره بتباين الرؤية حول طبيعة التنظيم ومجالات عمله وعلاقة مناشطه بعضها ببَعض، لاسيما المنشط الدعوي والسياسي، فإن الخلاف في التدبير السياسي للمرحلة، ووضع القيادة في دائرة المساءلة بسببه، شكل منذ فشل تجربة الترويكا بؤرة الخلاف القيادي، أو خلاف الأجيال داخل حركة "النهضة". وتعكس اللوائح التقييمية للحركة جوانب مهمة من هذا التوتر، الذي كانت القيادة فيه دائما ما تنتج سلوكا واحدا مطردا في التعاطي معه: الإقرار بالأخطاء، وفتح ورش النقد الذاتي، ثم وضع التحديات التي تواجه النهضة مبررا لتصليب التماسك الداخلي، والالتفاف حول القيادة.

وسواء تعلق الأمر، بمحطة التحالف مع نداء تونس والتفريط في حلفاء الثورة، أو محطة دعم رئيس الحكومة يوسف الشاهد واستثمار خلافه مع حزبه للمناورة لتحسن التموقع المؤسساتي، أو محطة موقفها الداعم لقيس سعيد مع معرفتها المسبقة بتصوره للنظام السياسي وانتصاره للنظام الرئاسي الفردي، أو موقفها من المحكمة الدستورية، وكيف ساهمت في إعطاء سلاح قوي للرئيس لاحتكار تأويل الدستور لجهة إقامة نظام سياسي فردي متحكم في كل المؤسسات، أو مساهمتها في دعم الصورة النمطية البئيسة على الأحزاب وحول المؤسسة التشريعية. في كل هذه المحطات، نشبت انتقادات حادة سلوك القيادة، لكن، كان دائما يتم إنتاج حجة مساهمة النهضة في إنجاح التجربة الديمقراطية، وحجة التوافق الوطني لمنع الردة والنكوص الديمقراطي.

نقد القيادة في تجربة حزب العدالة والتنمية

ربما كان التوتر القيادي مبكرا في تجربة الحركة الإسلامية بالمغرب، فقد نشب الخلاف حول القيادة في تجربة الشبيبة الإسلامية سنة 1978، بين القيادة السداسية وبين عبد الكريم مطيع، ونتج عن ذلك خروج جمعية صغيرة، تريد التبين من حقيقة الخلاف القيادي (جماعة التبين)، وأثمر الخلاف مع القيادة انشقاق الجماعة الإسلامية سنة 1981.

ومع استقرار القيادة في تجربة جمعية الجماعة الإسلامية بسبب ميلها إلى اعتماد مفهوم القيادة الجماعية، والانضباط للديمقراطية الداخلية وللعمل المؤسسي، إلا أن ذلك لم يمنع في فترات لاحقة أن ينشأ الخلاف بين توجهين داخل هذه التشكيلة الحركية، استند الأول إلى مدخل الشرعية الدينية (عبد الإله بن كيران) وحاول الثاني الارتكاز على مدخل الحرية والديمقراطية (سعد الدين العثماني).

ومع تجربة الوحدة (حركة التوحيد والإصلاح) سينشأ خلاف آخر، حول الرؤية للنظام الدستوري، إذ كان يميل الأستاذ مصطفى الرميد إلى نقد الملكية التنفيذية والتأسيس لمفهوم الملكية البرلمانية، في حين لم يكن بن كيران يشاطر الرميد الرأي، وكان يميل لتبني رؤية براغماتية، تزاوج بين تبني الملكية بمفهومها التنفيذي، وبين الرهان على الإصلاح، مع فتح الإمكانية لإصلاح دستوري يقوي الملكية والنموذج الديمقراطي المغربي على السواء.

ظهر في محطة 2007، أي مع بروز نتائج الانتخابات، التي تراجعت فيها أصوات العدالة والتنمية بالمقارنة مع انتخابات 2002، ليتوج ذلك بالدعوة إلى فتح ورش النقد الذاتي الذي أثمر أطروحة النضال الديمقراطي، التي جاءت بابن كيران إلى قيادة الحزب مع المؤتمر السادس في 2008.

بقي هذا الخلاف يسم التوتر القيادي داخل تجربة العدالة والتنمية لوقت طويل، وجاءت محطة 20 فبراير 2011، لتصل به إلى ذروته، وذلك لما قرر بعض أعضاء الأمانة العامة (مصطفى الرميد والدكتور سعد الدين العثماني.) إلى الخروج للشارع، بينما اختار ابن كيران استثمار الزخم الشعبي المحتقن لبناء صيغة جديدة تم الاصطلاح عليها بالإصلاح في إطار الاستقرار.

عرف العدالة والتنمية أوج انسجامه وتماسكه بين 2008 و2016، أي خلال ولايتين انتدابيتين لابن كيران على رأس الأمانة العامة للحزب، ليتفجر الخلاف القيادي مرة أخرى مع إعفاء ابن كيران، وذلك على خلفيتين اثنتين، الأولى تنظيمية تهم الولاية الثالثة، والثانية سياسية تهم الخط السياسي للقيادة الجديدة.

والنتيجة أن ابن كيران خرج من كل المحاور القيادية والتنظيمية للحزب آخذا مسافة عن القيادة وتدبيرها، في حين اختار الدكتور سعد الدين العثماني الاعتماد في التدبير على فريق واحد متجانس مع رؤيته السياسية، محاولا جهد الإمكان إبعاد وتهميش القيادات الأخرى التي تعارض خطه، ليأخذ الصراع القيادي أشكالا مؤسسية (الأمانة العامة/ المجلس الوطني) وتنظيمية (التنافس على المواقع التنظيمية بين التوجهين) وسياسية (الخلاف على تدبير المرحلة إسنادا ونقدا).

الخلاصة في هذه التجربة، أن التوتر القيادي، بقي لمدة طويلة مرتبطا بجيل التأسيس والذي يليه، ولم تكن الأجيال الشبابية في أحسن أحوالها سوى عناصر إسناد للرؤى القيادية المتداولة، إلى أن جاءت لحظة تعثرات المسار الديمقراطي في كل من تونس والمغرب. 

صورة لصراع الأجيال داخل حركة "النهضة" وحزب العدالة والتنمية

بعض القيادات الحركية، تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تقنع بأن أطروحة صراع الأجيال غير واردة بالمطلق، وأن القيادة منفتحة على الشباب، وأنه قد وقع تجديد للنخب، بل إن بعضها يحاول أن يقدم إحصاءات رقمية عن نسبة الشباب في البنيات التنظيمية وفي الترشيحات الانتخابية والمسؤوليات الانتدابية.

والحقيقة أن مثل هذه الإحصاءات صحيحة نسبيا، لكنها تكشف جانبا من دينامية القيادات لاحتواء الأجيال الجديدة، ووضعها في مسار الإسناد بدل مسار نقد جيل التأسيس والقطع مع مرحلة القيادة التاريخية.

في التجربة المغربية على سبيل المثال، كان هناك استقطاب قيادي حاد حول شبيبة العدالة والتنمية، فالشبيبة كانت دائما تضع ابن كيران على رأس المتحدثين في ملتقياتها الوطنية، وطالما عبر أنه لا يرد طلب الشبيبة، والدكتور سعد الدين العثماني، رشح مسؤول شبيبة العدالة والتنمية للوزارة، وذلك حتى يضمن ولاء الشبيبة له، وهو المشهد الذي أثمر مبادرة شبابية، للنقد الذاتي وتصحيح المسار، لم تجد صداها داخل القيادة، رغم ما بدا من محاولة لاستيعابها في البداية، والتأكيد على أنها طبيعية وتعكس الخلاف داخل الجسم التنظيمي.

وتبقى المحطة المفصلية التي كشفت عن عمق أزمة الأجيال داخل العدالة والتنمية، هي لحظة الاستحقاقات الانتخابية ولحظة الترشيحات.

قيادة العدالة والتنمية، تعتمد مسطرة للانتخاب، تقوم على مبدأ الترشيح من القاعدة (هيئة الترشيح) والتزكية من القيادة (هيئة التزكية) مع إعطاء حق الإضافة للأمانة العامة في حدود معينة، كانت في التجربة السابقة لا تتجاوز 20 في المائة من الدوائر، فأصبحت في هذه التجربة أكثر من ذلك.

والحقيقة أن الخلافات التي عرفتها الاستحقاقات الانتخابية السابقة 2016 كانت جد محدودة، وأن أغلبها كان عبارة عن خلاف داخل القواعد حول الترشيح، تدخلت الأمانة العامة في الغالب لحسمه (مثال دائرة العرائش)، أو تدخل الأمانة العامة بسلطة الإضافة، بما لم يجد قبولا لدى القواعد التي عبرت عن إرادتها في هيئات الترشيح (دائرة البرنوصي)، في حين توسعت حركية الخلافات التي تم التعبير عنها في الاستحقاقات الحالية، وغطت تقريبا جميع مناطق المغرب (مختلف الدوائر) بخلاف دوائر محدودة نائية وقع فيها التطابق بين تشريحات هيئة الترشيح وتزكية الأمانة العامة.

ومع أن القيادة لم ترشح أغلب الوزراء، بل وأغلب أعضاء الأمانة العامة، خلافا لما حدث في انتخابات 5 التي كانت فيها المعركة معركة سياسية ووجودية، إلا أن تأطير هذه الانتخابات بالقاسم الانتخابي قلص من حظوظ اللائحة في الفوز وقصرها فقط على وكيلها، بخلاف الاستحقاقات السابقة، فقد كان القاسم الانتخابي يوفر حظوظا كبيرة تصل إلى فوز أربعة أعضاء من اللائحة الواحدة، فإذا انضاف إلى ذلك غياب لائحة الشباب في هذه الاستحقاقات، فإن ذلك أصبح يعني تضييق مساحة الارتقاء السياسي داخل التنظيميات، وتأجيج صراع الأجيال داخلها.

التطور الذي حصل في هذه الاستحقاقات، أضاف أشكالا أخرى من الاحتجاج على القيادة، تخص الاحتجاج على تزكية الأمانة العامة للمصنف في مراتب متأخرة بدل تزكية الذي حظي بالمرتبة الأولى (حالة طنجة)، وتخص أيضا الاعتراض على إعمال الأمانة العامة لمبدأ الإضافة، بما يطرح السؤال عن الجدوي من هيئة الترشيح ومخرجاتها (حالة أمكراز في دائرة تزنيت)، وتخص أيضا الاحتجاج على ظاهرة المعمرين الانتخابيين (حالة تمارة)، والاحتجاج على الذين اتهموا من قبل القواعد بالتورط في شبهات فساد وأصرت الأمانة العامة على تزكيتهم (حالة تزنيت)، والاحتجاج على تزكية أعضاء الأمانة العامة في غير الدوائر التي ترشحوا بها سابقا (حالة الرباط)، والاحتجاج على إقصاء معارضين (حالة سطات)، والاحتجاج على وضع قيادات معارضة في دوائر لم تزكهم فيها هيئة الترشيح، وإبعادهم عن دوائر تم تزكيتهم فيها (حالة البوقراعي)، والاحتجاج على تفعيل مبدأ الترشيح العقابي (حالة ترشيح أمينة ماء العينين بسيدي إفني ).

تفسير هذه المعطيات يشير إلى أن واقع الندرة (تقليص نسبة الحظوظ) جعل المسطرة المعتمدة داخل الأمانة العامة محل تساؤل كما جعل سلوكها أيضا محل نقد واعتراض، وأجج الصراع داخل العدالة والتنمية، وكشف وجود صراع أجيال داخل التنظيم.

 

لم يكن صراع الأجيال غائبا، بل كان حاضرا بمستويات معينة، وكانت حجة دعم تجربة الانتقال الديمقراطي وتفويت الفرصة على قوى الثورة المضادة وما يتطلبه ذلك من دعم التماسك الداخلي وإسناد القيادة، كانت هذه الحجة، هي التي تجعل سقف صراع الأجيال متحكما فيه.

 



فهذه الأشكال الاحتجاجية التي أخذت أكثر من لون أصبحت تؤكد بأن المسطرة المعتمدة داخل العدالة والتنمية قد استنفذت أغراضها، وذلك لسببين، أولهما أن سلطة الأمانة العامة في التزكية (سلطة الإضافة على وجه الخصوص) أضحت أكبر من سلطة الترشيح من القاعدة، وثانيهما، أن الرصيد الروحي والتربوي الذي كان يدعم هذه المسطرة، لم يعد يقوم بدوره السابق، وذلك بسبب أزمة ثقة وأزمة شرعية بين القواعد والقيادة.

في السابق، كان المنطق التربوي، يشجع مبدأ عدم ترشيح الفرد لنفسه، وكانت سلطة الأمانة العامة لتغيير مخرجات هيئات الترشيح جد مقيدة، وكان التنظيم متماسكا، تقل فيه الخلافات السياسية، وكانت شرعية القيادة في أعلى مستوياتها بسبب ضمها لجميع الحساسيات، وكان جيل التأسيس والذي بعده، يدير هذه المسطرة ويستفيد منها، وربما يعتذر، وفي أحيان كثيرة، تقوم التحديات الخارجية بدفع الجسم التنظيمي إلى استيعاب الخلافات، والدفع بمقولة: "لا لجلد الذات، فالمرحلة تقتضي وحدة الصف".

في السياق الحالي، تغيرت هذه المؤشرات تماما بسبب من تجربة الانفتاح التي عرفها الحزب، فاليوم هناك أجيال جديدة، انتسبت للحزب بدوافع سياسية لا بدوافع حركية دعوية، وهي تؤمن بأن الديمقراطية الداخلية هي أقوى من سلطة القيادة في "التعيين عبر التزكية"، وتؤمن أيضا بتداول النخب، وأن فتح المجال لشهوة الخلود في المنصب يعطل المشروع ويقتل روحه. ثم إن هناك مشكلات تنظيمية وشرخ قيادي، وضعف في منسوب الشرعية والثقة بين القواعد والقيادة، وهناك فوق هذا وذاك حساسية شديدة من إعمال المساطر بطريقة لا ديمقراطية لتوسيع دائرة الولاءات أو كسر إرادة المعارضين.

القيادة الحالية، تحاول تبسيط هذه التحولات، وتعتبر كما العادة أنها خلافات طبيعية مستوعبة داخل التنظيم، وتعتقد أن سلطة التنظيم والالتزام للقرار، يكفي لحسم المشكلة، لكن في الواقع، وحتى ولو تم الانضباط لقرارات القيادة، وتم شحذ الثقافة الوحدوية في مواجهة التحديات، وحتى ولو تدخلت قيادات ذات مصداقية رمزية لمنع حدوث المحظور (تشتت الصف)، فإن ذلك، لن يفعل أكثر من إخفاء الأزمة، أي أزمة عدم قدرة جيل التأسيس والذي بعده على إدارة صراع الأجيال داخل التنظيم.

المثال يتكرر مع تجربة "النهضة"

لا شك أن ثمة فرقا كبيرا بين التجربتين التونسية والمغربية، لكن في الجوهر يمكن أن نرصد الظاهرة نفسها، أي صراع الأجيال داخل "النهضة."

ففي كل المحطات التي مرت بها "النهضة"، سواء المرحلة التي عرفت ذروة التماسك التنظيمي (لحظة 2011 أو لحظة إعادة بناء التنظيم)، أو المراحل التي اختلف التقدير في تقييم التدبير القيادي (الانتقال من حكومة الجبالي لحكومة علي العريض)، أو المراحل التي وضعت "النهضة" في الزاوية (إنهاء تجربة الترويكا)، فحاولت إنتاج ديناميات سياسية جديدة لإعادة التموضع في الحقل السياسي والمؤسساتي (التحالف مع نداء تونس). ففي كل هذه المراحل، لم يكن صراع الأجيال غائبا، بل كان حاضرا بمستويات معينة، وكانت حجة دعم تجربة الانتقال الديمقراطي وتفويت الفرصة على قوى الثورة المضادة وما يتطلبه ذلك من دعم التماسك الداخلي وإسناد القيادة، كانت هذه الحجة، هي التي تجعل سقف صراع الأجيال متحكما فيه. لكن بعد إعلان الرئيس التونسي قيس سعيد تعطيل عمل المؤسسات، وإجهاض مخرجات تجربة الانتقال الديمقراطي التونسية، وبعد أن توجه النقد الشعبي "للنهضة" على وجه الخصوص، مع أنها لم تكن شريكا في الحكم، وبعد أن صار التنظيم نفسه، والقيادة ذاتها، تتحدث عن النقد الذاتي، وعن الأخطاء التي ارتكبتها "النهضة"، أي قيادتها، برز صراع  الأجيال، وبرزت الدينامية الشبابية التي ترى في القيادة التاريخية عائقا أمام تطور تجربة "النهضة" ومساهمتها في التطور الديمقراطي في البلاد.

تفسير ذلك، أن الحجة التي كان يتم التذرع بها لإخفاء صراع الأجيال واستيعاب مطالب الحركة الشبابية داخل التنظيم، استنفذت أغراضها، بل أصبح التنظيم نفسه، يحمل القناعة التي كانت تحملها هذه النخب الشبابية يوم كانت تقول بأن المشكلة في القيادة، وأن شرط تقدم تجربة النهضة ومساهمتها في التطور الديمقراطي هو أن تقتنع القيادة التاريخية أن مرحلتها قد انتهت، وتعطي الشارة للأجيال الجديدة.

ما يزكي التشابه بين التجربتين المغربية والتونسية، أن الخطاب الديني، الذي كان يستعمل في ضمان تماسك الجبهة الداخلية، لم يعد يؤدي نفس الوظيفة مع الأجيال الجديدة، التي أصبحت دوافعها السياسية في الانتماء أكبر من دوافعها الدينية، وأصبح ما يؤطر وجهة نظرها هو تقدم الديمقراطية، ودور الحركة (الأداة الإصلاحية) في تحقيق تطلعات الشعب في الكرامة والحرية والديمقراطية.