قضايا وآراء

في الاستدارة الأردنية نحو دمشق

1300x600

منذ بدء الثورة السورية ومن ثم تحولها إلى أزمة إقليمية ودولية، اعتمد الأردن سياسة الحياد الإيجابي بالنسبة لطرفي الصراع السوري (النظام، المعارضة)، فمن جهة، وقفت المملكة سياسيا مع المعارضة وطالبت بضرورة تنحي الأسد، ووقفت عسكريا إلى جانب المعارضة المسلحة في الجنوب، وأمدتها بالدعم اللوجتسي.

لكن، بالمقابل، وبعيد الفوضى العسكرية في سوريا، خصوصا في الجنوب، أصبح الدعم اللوجستي الأردني للمعارضة غير مرتبط بإسقاط النظام السوري، بقدر ما أصبح مرتبطا بطبيعة الرؤية الأردنية لمستقبل الجنوب السوري.

هذا الأمر، دفع المملكة إلى فتح قنوات اتصال مع النظام على المستوى الأمني فقط دون أن يصل إلى المستوى الاقتصادي أو السياسي، وظل الأمر على هذا الحال لمدة سبع سنوات تقريبا، وهكذا، نجحت الأردن في إقامة خطوط مع المعارضة والنظام معا.

أربع مراحل

مرت السياسة الأردنية تجاه الملف السوري بأربع مراحل:

الأولى، استمرت منذ بدء الثورة وحتى عام 2013، وهي الفترة التي كان الموقف الأردني فيها داعما للثورة السورية، كجزء من الموقف الإقليمي ـ الدولي.

الثانية، بدأت من منتصف عام 2013 وحتى عام 2018، وخلال هذه المرحلة، حرص الأردن على عدم الانخراط المباشر بالمستنقع السوري.

وبسبب وجود غطاء أمريكي للمعارضة في الجنوب، ظلت المملكة تقدم الدعم اللوجستي لفصائل الجنوب، في وقت تتواصل أمنيا مع النظام.

أنتهت هذه المرحلة مع سيطرة النظام السوري على كامل الجنوب، بما فيه المعابر مع الأردن.

الثالثة، استمرت من منتصف عام 2018 وحتى منتصف عام 2021، وتتسم هذه المرحلة بأن الموقف الأردني كان بعيدا جدا عن الأحداث السورية، ضمن حالة انتظار لانقشاع الغبار عن طبيعة وشكل المرحلة المقبلة للجنوب السوري بعد سيطرة النظام عليه.

وجرى خلال هذه المرحلة زيارة وفود أردنية (سياسية واقتصادية) إلى دمشق، في خطوة بدت في الظاهر أنها مبادرات فردية من نواب ورجال أعمال أردنيين، لكنها في العمق، كانت بمباركة من الديوان الملكي، ثم ما لبث أن ارتفع مستوى التواصل بين الجانبين بشكل علني ودون مواربة أردنية.

الرابعة، بدأت قبل شهر، حيث جرى تحول مفاجئ في الموقف الأردني، إذ هيمن الملف السوري على مباحثات الملك عبدلله مع الرئيس الأمريكي جو بادين، وعلى مباحثات الملك مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

أسباب التحول الأردني

تعرضت المملكة خلال السنوات السابقة لتصاعد في الأزمة الاقتصادية، بسبب تراجع الدعم الخليجي من جهة، والازمة السورية التي حرمت الأردن من التجارة بين البلدين ومن اعتبار الأردن محطة ترانزيت للبضائع من لبنان وسوريا باتجاه الخليج العربي من جهة ثانية.

 

ن أحد الشروط الرئيسية للانفتاح السياسي الاقتصادي الأردني على النظام السوري، والعمل على إعادته للمنظومة العربية، هو أن يبقى الجنوب السوري في حالة هدوء، ويفضل الأردن في هذا الصدد أن يبقى الوضع على ما هو عليه، أي لا سيطرة مطلقة للنظام على كامل الجنوب السوري المتاخم للأردن، في إشارة إلى عدم ثقة المملكة تماما بالنظام السوري.

 



لكن الجديد الذي حصل مؤخرا، كان ظهور بوادر حراك اجتماعي احتجاجي على تردي الأوضاع الاقتصادية في المملكة ومن طريقة تعامل الديوان الملكي مع القضايا الاجتماعية ـ الاقتصادية، يضاف لها ملف الفتنة والتطويق السياسي الاجتماعي للأمير حمزة من قبل الديوان.

هكذا، وبسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الأردن أولا، وخشية من بروز توترات اجتماعية ذات خلفية اقتصادية ثانيا، اتجه الأردن إلى اعتماد مبدأ الواقعية السياسية في التعامل مع النظام السوري، طالما أنه لا يوجد قرار دولي بإسقاطه فحسب، بل أيضا لا توجد إرادة أمريكية شديدة في منع الانفتاح السياسي الإقليمي عليه.

المقاربة الجديدة للملك عبدلله تقوم على التالي: التوصل إلى حلول لمساعدة سوريا سيساعد المنطقة بأكملها والأردن على وجه الخصوص.

وبحسب صحيفة "واشنطن بوست" اقترح الملك على بايدن أن تتفق مجموعة دول مؤلفة من الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل والأردن ودول أخرى على خارطة طريق لاستعادة السيادة والوحدة في الأراضي السورية.

الاستقرار السياسي والعسكري في سوريا، سينتج عنه انفتاح اقتصادي، سيكون الأردن بحكم الجغرافية أول المستفيدين منه.

لكن المقاربة الأردنية لها أبعاد أخرى، وهذا ما يفسر إغلاق المملكة للمعابر مع سوريا بعيد التوترات الأخيرة في درعا.

من وجهة نظر الأردن، إن أحد الشروط الرئيسية للانفتاح السياسي الاقتصادي الأردني على النظام السوري، والعمل على إعادته للمنظومة العربية، هو أن يبقى الجنوب السوري في حالة هدوء، ويفضل الأردن في هذا الصدد أن يبقى الوضع على ما هو عليه، أي لا سيطرة مطلقة للنظام على كامل الجنوب السوري المتاخم للأردن، في إشارة إلى عدم ثقة المملكة تماما بالنظام السوري.

ما يهم الأردن، أن يبقى الهدوء مستمرا في الجنوب، بما يسمح لاحقا بعودة جزء كبير من اللاجئين إلى بلداتهم في محافظة درعا غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري.

وبهذا، يقدم الأردن صفقة للنظام، الانفتاح السياسي والاقتصادي عليه، مقابل الإبقاء على اتفاقية عام 2018 التي كان الأردن طرفا رئيسا فيها.

*كاتب وإعلامي سوري