قضايا وآراء

لبنان: بعد الثقة للحكومة ماذا عن الخسائر وخطة صندوق النقد للاقتصاد؟

1300x600
وخرجت الحكومة الميقاتية إلى النور وأبصرها العالم، برؤية فرنسية- إيرانية، وانكفاءة سعودية، وترحيب قطري، ونظرة أمريكية واقعية على قاعدة: وجود حكومة خير من عدم وجودها، وذلك ضمن الخشية الدولية من وقوع المحظور والانفلات بكل أشكاله؛ الاجتماعية والاقتصادية والمالية وحتى القضائية، في بلاد لم يعد يحتمل أناسها حتى نسمة الهواء التي تكاد تهز بقاءهم، حيث الهجرة هي الطموح لأغلب الناس لا سيما الشباب، ولا أدل على ذلك من أن نسبة الراغبين من الشباب بحسب جملة إحصاءات تفوق 75 في المائة من الجسم الطبي (أطباء وممرضين)، مضافة إليهم النخب من أصحاب الكفاءات العلمية. فأي وطن سيبقى إذا أخذت الهجرة مداها ولم تأخذ الحكومة الجديدة خطوات عملية تجنب الناس الفقر والذل، حيث 82 في المائة من اللبنانيين باتوا فقراء بفعل الأزمات المترامية من الدولار إلى التضخم، وبينهما أزمات مفتوحة تربوية وصحية؟

من هنا بات بحكم المحسوم نيل الحكومة الثقة من جميع الفرقاء، ما عدا حزب القوات، بالرغم من مذكرة الوزير فنيانوس والمذكرات اللاحقة التي قد تأتي على أسماء ربما تهز الحكومة الوليدة، مضافة إليها الحرتقات الباسيلية تجاه الرئيس بري والرئيس الحريري، حيث يبدو الوزير باسيل يستعيد المبادرة لبث الروح العالية المتحدية، على مسافة قريبة من الانتخابات التشريعية التي ستكون حاضرة مع قانونها في الأيام القادمة. وعليه، ستتجه الأنظار بعد الثقة إلى المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، الذي منح الحكومة جرعة أوكسجين من خلال الإيداع في مصرف لبنان ما يقارب المليار والمئة مليون دولار أمريكي من صندوق السحوبات الخاصة للدول (حصة لبنان)، التي ستشكل امتحانا قاسيا وستكون تحت المجهر الدولي جملة وتفصيلا.

من هنا، بات من الملحّ تطبيق الإصلاحات المنشودة منذ مؤتمر سيدار 2018 التي لم تطبق حتى الساعة، وكلنا نتذكر مضبطة السفير بيار دوكان (ناظر سيدار)، الذي كان حادا في كل تعبيراته الصارمة تجاه الطبقة السياسية اللبنانية. وعليه، لن تتساهل فرنسا ومعها الغطاء الأمريكي، حيث الفرصة السانحة مع توافر الحد الأدنى من التسهيل ضمن الصفقة الفرنسية الإيرانية، وضمن عرف صفقة توتال بحوالي 27 مليار، التي كانت ربما أحد المفاتيح للحلول في لبنان.

يقال في يوم الامتحان يكرم المرء أو يهان، وأعتقد جازما أن الامتحان الأصعب للحكومة الميقاتية هو في بلورة حل مع صندوق النقد الدولي، خاصة أن رئيس الحكومة قالها علانية بعد تمني الرئيس عون في المبادرة لإحياء التفاوض مع الصندوق الذي يكاد يكون المخرج الوحيد. وعليه، لا بد من ورشة تشريعية وقرارات ستكون مؤلمة وغير شعبية للتماهي مع شروط صندوق النقد الدولي؛ التي تبدأ مع تحرير سعر الصرف الذي بات أمرا واقعا، خاصة مع استفادة الأسواق من الهبوط بنحو 25 في المائة من سعر الدولار بفعل الحكومة والبيان الوزاري، ودفعة صندوق النقد المشار إليها. من هنا، ليس المقصود السعي إلى التثبيت للعملة بقدر قدرة مصرف لبنان على أداء دوره في السوق ولملمته في الأوقات العصيبة. فلا بد من وقف نزيف السوق الموازية، والحد من تأثيرها الذي يشكل تهديدا لأي خطة اقتصادية قادمة.

لذا، لا بد للبنان أن يتمثل بفريق واحد وليس بعدد من الفِرَق؛ كل واحد منها برأي ورؤية مختلفين عن الفريق الآخر، كما حصل في الحكومة السابقة. وهنا من المهم التذكير بما قاله نائب مدير صندوق النقد للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أثناسيوس أرفانيتيس منذ أشهر: "من أجل أن تتواصل المناقشات المثمرة في هذه المرحلة، من المهم جدا أن تتوحد السلطات حول خطة الحكومة. ونحن على استعداد للعمل معها لتحسين الخطة في حال الضرورة". ولكنه تدارك: "لكننا نشعر بالقلق أيضا من أن محاولات تقديم قيمة أقل للخسائر وتأجيل الإجراءات الصعبة، لن يؤدي إلا لزيادة تكلفة الأزمة من خلال تأخير التعافي وإيذاء الفئات الأكثر ضعفا". وعليه، بدا خلال جلسات التفاوض التباين جليا بين تقديرات الحكومة لإجمالي خسائر الدولة والمصارف المالية، وتقديرات المصرف المركزي وجمعية المصارف.

وقدّرت الحكومة هذه الخسائر بـ241 ألف مليار ليرة، وتدخل البرلمان عبر لجنة تقصي حقائق قالت؛ إن الخسائر تراوح بين 60 و91 ألف مليار ليرة، لكن صندوق النقد يعتبر أرقام الحكومة أقرب إلى الواقع.

فهل يتغير شيء مع الحكومة الميقاتية وخطتها المزمعة، علما أن أي خطة لا بد أن يكون عنوانها إصلاحات على مستويات عدة، بينها السياسة المالية وميزان المدفوعات والبنى التحتية، وإعادة هيكلة للديون والمصارف وتحميل المصارف ومصرف لبنان والدولة اللبنانية، تبعات السياسات الفاشلة بعيدا عن صغار المودعين أقله، إن لم نقل كل المودعين الذين ضاعت أموالهم في زواريب الفساد المالي والإداري والاقتصادي للحكومات المتعاقبة في لبنان.

كما لا بد أن تنص على إصلاحات أساسية في البنى التحتية، بينها قطاع الكهرباء المترهّل الذي يشكّل العبء المالي الأكبر من المبالغ المهدورة، بما يفوق 42 مليار دولار. وعليه، ستكون وزارة الطاقة تحت المجهر الدولي، كحال وزارة المالية والاقتصاد في أي خطة لانتشال البلاد الراكدة في ناتج قومي محلي بات دون 20 مليار دولار، بعد أن كان فوق 56 مليار عام 2017، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة هي وليدة سنوات من النمو المتباطئ، مع عجز الدولة عن إجراء إصلاحات بنيوية وترهل المرافق العامة وتفشي الفساد.

ببساطة ووضوح، وبعيدا عن البعد السياسي في ولادة الحكومة وموقف الرياض وربما كثير من دول الخليج معها؛ لا بد للحكومة الميقاتية من إنهاء مسألة الخسائر والفجوة المالية، ومحاولة الوصول مع صندوق النقد إلى أرضية مشتركة للحد من الارتطام، خاصة أن الموجة الدولية العارمة تؤكد أنها تريد مساعدة لبنان. ولكن الأجدى في هذه اللحظات، وبعيدا عن الدموع الميقاتية الصادقة من قصر بعبدا في توصيف الحال، وبعيدا عن السقطات الكلامية لبعض الوزراء، لا بد من العمل الدؤوب لبنانيا قبل أي أحد آخر.

ونذكر بما قاله وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان منذ أشهر خلت؛ عن ضرورة الإسراع في الإصلاحات؛ إذ قال: "على السلطات اللبنانية أن تستعيد زمام الأمور.. نحن حقا مستعدّون لمساعدتكم، لكن ساعدونا على مساعدتكم".. فهل هناك من يريد حقّا المساعدة؟!