كتاب عربي 21

أردوغان وطالبان وشرط الشمولية

1300x600
وصف رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان؛ الحكومة المؤقتة التي شكلتها حركة طالبان في أفغانستان بأنها "غير شاملة ولا حاضنة للجميع"، وأضاف قائلا: "الآن نتلقى بعض الإشارات حول احتمال إحداث تغييرات في الإدارة بحيث تكون شاملة وحاضنة لجميع الأطياف، وبحدوث ذلك يمكننا الجلوس مع طالبان والتحاور حول ما يمكن فعله من أجل أفغانستان".

لا أدري ما الذي يعنيه أردوغان بـ"الشاملة" بالضبط في تصريحاته التي أدلى بها خلال زيارته لنيويورك، ولا أعتقد أنه يشير إلى "نظام المحاصصة"، ليتم توزيع المناصب بين مكونات المجتمع الأفغاني على أساس الإثنية والطائفية؛ لأنه نظام فاسد أثبتت التجارب في لبنان والعراق أنه أفشل نظام بلا منازع، ولا يأتي منه للبلاد أي خير.

حركة طالبان قد تتعرض لضغوط من بعض الدول في هذه المرحلة لتقبل بـ"نظام المحاصصة" على غرار ما يتم تطبيقه في لبنان والعراق، بدعوى "التوافق" و"الشمولية". وأعتقد أن قادة الحركة يدركون مدى خطورة هذا النظام على أفغانستان، وأنهم سيرفضونه جملة وتفصيلا، لأنه في حال تطبيقه سيؤدي إلى ترسيخ الانقسام الإثني والطائفي وتعميقه في المجتمع الأفغاني، كما سيفتح الأبواب على مصراعيها أمام تدخلات القوى الإقليمية في شؤون أفغانستان الداخلية.
حركة طالبان قد تتعرض لضغوط من بعض الدول في هذه المرحلة لتقبل بـ"نظام المحاصصة" على غرار ما يتم تطبيقه في لبنان والعراق، بدعوى "التوافق" و"الشمولية". وأعتقد أن قادة الحركة يدركون مدى خطورة هذا النظام على أفغانستان، وأنهم سيرفضونه جملة وتفصيلا

مصطلحات مثل "التوافق" و"الشراكة السياسية" وغيرهما، كثيرا ما يتم تسويقها كمصطلحات براقة وهدف منشود لإقامة نظام حكم مثالي، إلا أنها في معظم الأحيان تؤدي إلى تشكيل حكومات ائتلافية هشة ترفض كافة أطرافها تحمل مسؤولية الفشل والفساد، كما تجعل الأغلبية رهينة بيد الأقلية التي تهدد بإسقاط الحكومة إن لم تتم تلبية مطالبها.

احتضان جميع الأطياف يمكن أن يتم دون اللجوء إلى إقامة "نظام المحاصصة"، وذلك من خلال تعيين الكفاءات بناء على المؤهلات والمواطنة المتساوية. ومن المؤكد أن عدم التمييز بين المواطنين شيء، وتبني نظام المحاصصة شيء آخر؛ فالأول يجمع ويبني، والثاني يفرق ويهدم. كما أن حركة طالبان، كقوة قامت بتحرير البلاد من الاحتلال وتقود المرحلة، هي وحدها المخوَّلة بتحديد الشخصيات المؤهلة التي تتمتع بالكفاءات المطلوبة في التعيينات؛ لأنها هي التي ستكون المسؤولة أمام الشعب الأفغاني عن أي نجاح أو فشل في حكم البلاد.

أفغانستان اليوم بحاجة ماسة إلى الدعم الإنساني، والنصائح الأخوية المخلصة، والمرونة في التعامل، والوقوف معها لتضميد جراحها بعد سنوات من القتال والاقتتال والاحتلال، بدلا من التعقيد والتشديد والاستعلاء. ومن المعيب أن تكون الدول الإسلامية "أشداء على طالبان" بسبب بعض آرائها ومواقفها، في الوقت الذي تتعامل فيه تلك الدول مع أنظمة تذبح المسلمين العزل وتشردهم في وضح النهار وأمام أعين العالم، كالنظام الهندي العنصري، بكل رفق ورحمة وليونة، حتى لو فعلت ذلك من باب المجاملة أو الواقعية السياسية أو العجز عن المواجهة.

هناك أمر آخر، وهو التناقض الذي تقع فيه وسائل إعلام تركية مقربة من الحكومة، حين تدافع - على سبيل المثال - عن انسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول، وترفض انتقادات الغرب، مشيرة إلى معتقدات الشعب التركي المسلم وعاداته وتقاليده، إلا أنها في ذات الوقت تركب موجة الانتقادات المغرضة التي تستهدف طالبان وتحامل الغرب عليها، متجاهلة أن الشعب الأفغاني المسلم هو أيضا له معتقداته وعاداته وتقاليده. كما أنها تفضح أمر الهاربين من البلاد والانتقادات التي يوجهونها إلى تركيا ليعززوا مكانتهم في أوروبا أو أمريكا، ولكنها تتعامل مع الهاربين من أفغانستان إلى الغرب وانتقاداتهم لحركة طالبان وكأنها حقائق مسلَّمة لا غبار عليها.
حركة طالبان إن نجحت في استتباب الأمن والأمان، وإقامة العدل، وتحقيق السلم الأهلي، دون السماح بانزلاق أفغانستان إلى اللبننة أو العرقنة، وقدمت للشعب الأفغاني خدمات ومشاريع، ورفعت مستواه المعيشي بعد سنوات من الحروب والمعاناة، فلن تكون بحاجة للالتفات إلى انتقاد متحامل أو لومة لائم

تركيا لم تغلق سفارتها في كابول بعد سيطرة طالبان على العاصمة الأفغانية، وتستمر اللقاءات بين المسؤولين الأتراك وممثلي الحركة. والتقى السفير التركي لدى كابول، جهاد أرغيناي، قبل أسبوع، وزير خارجية حكومة طالبان بالوكالة، المولوي أمير خان متقي، لمناقشة العلاقات الثنائية والمساعدات الإنسانية والصحية، وأوضاع اللاجئين والطلاب الأفغان، وغيرها من القضايا. ودعا متقي الحكومة التركية إلى إتمام مشاريعها المتوقفة في أفغانستان، مؤكدا على استمرار التعاون والعلاقات بين الطرفين، كما جاء في حساب "الإمارة الإسلامية" في تويتر.

وبدأت منظمات المجتمع المدني التركية تمد يد العون إلى الشعب الأفغاني وتوزيع المساعدات الإنسانية على الفقراء والمحتاجين. ومن المتوقع أن تتطور العلاقات بين أنقرة وكابول في الأيام القادمة.

حركة طالبان إن نجحت في استتباب الأمن والأمان، وإقامة العدل، وتحقيق السلم الأهلي، دون السماح بانزلاق أفغانستان إلى اللبننة أو العرقنة، وقدمت للشعب الأفغاني خدمات ومشاريع، ورفعت مستواه المعيشي بعد سنوات من الحروب والمعاناة، فلن تكون بحاجة للالتفات إلى انتقاد متحامل أو لومة لائم.

twitter.com/ismail_yasa