تقارير

تل الرُقيش.. من مستعمرة فينيقية إلى مركز تجاري بين مصر وآسيا

تل الرقش.. من آثار الفنيقيين في غزة لم تمحه عصور الحكم المتعاقبة على فلسطين

على مساحة عشرة دونمات يقع واحد من أهم المواقع الأثرية في قطاع غزة، حيث كان يعتبر مستعمرة فينيقية حصينة قبل الميلاد بحوالي نصف قرن وتحول إلى مركز تجاري بحري بين مصر وآسيا، ومرت عليه العديد من العصور ليبقى شامخا رغم محاولات المستعمرين طمس آثاره.

تحتضن مدينة دير البلح وسط قطاع غزة "تل الرقيش" الأثري الذي يقع على ساحل البحر مباشرة، بعد أن اتخذ إسمه من شكل الفخار التي عثر عليها في هذا التل المهم الذي كان مركزا للتجارة البحرية والبرية على الطريق التجاري الواصل بين مصر وآسيا.

وقال الدكتور جمال أبو ريدة، مدير الإدارة العامة للآثار والتراث الثقافي في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية: "إن تل الرقيش جرت فيه العديد من عمليات التنقيب الأثري التي كشفت عن وجود مستعمرة فينيقية كبيرة ومزدهرة، بلغت مساحتها حوالي (650×150مترا)".

وأضاف أبو ريدة لـ "عربي21": "تم الكشف في هذه المستعمرة على أسوار دفاعية ضخمة طولها حوالي 1600 متر، ومقبرة ذات طابع فينيقي لدفن رماد الجثث المحروقة، التي يعود تاريخها إلى العصر الحديدي المتأخر، وللفترة الفارسية (538-332ق.م)".

 



وأوضح أنه قد جرت العديد من الحفريات والتنقيب الأثري في الموقع قام بها الاحتلال البريطاني والإسرائيلي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

وقال: "يمكن اليوم رؤية بعض بقايا الأبنية المصنوعة من الطوب اللّبن المجفف ـ طوب مصنوع من الطين ومجفف في الشمس ـ في موقع تل الرقيش الأثري".

وأضاف: "آخر أعمال الكشف الأثري التي تمت في موقع تل الرقيش تمت عام 2000م بمشاركة البعثة السويدية للتنقيب عن الآثار، حيث قاموا بعمل مجسات أثرية تم الكشف خلالها عن الكثير من اللقى الأثرية الفخارية التي تعود للفترة الكنعانية وفترة العصر الحديدي والعصر الفارسي".

وأشار أبو ريدة إلى أن حجم الموقع ودفاعاته يوحي بأنه كان في يوم من الأيام ميناءً بحرياً مهماً على الطريق التجاري الدولي القديم.

وقال: "إن المنقبين كشفوا أنواعاً عديدة من القدور المصنوعة محلياً من الفخار المسمى (الرقيش), إضافة إلى قطع فخارية فينيقية وقبرصية".

وأضاف المسؤول الفلسطيني: "ذلك التنوع الكبير في المكتشفات الفخارية في المدينة عكس أهمية تل الرقيش كمركز للتجارة البحرية والبرية على الطريق التجاري الواصل بين مصر وآسيا".

ومن جهتها أكدت هيام البيطار الباحثة في التاريخ والآثار أن "تل الرقيش" هو واحد من التلال الأثرية القديمة الواقعة على ساحل البحر المتوسط في قطاع غزة وتحديدا غرب مدينة دير البلح وسط القطاع.

 

                       هيام البيطار.. باحثة فلسطينية في التاريخ

وقالت البيطار لـ "عربي21": "هذا التل الأثري يعود تاريخه إلى أقدم حقبة تاريخية بدأت في هذا التل وهي فترة العصر (البرونزي المبكر) حيث تم الكشف عن بقايا مستعمرة فينيقية أو كنعانية على وجه الخصوص لها أسوار وضخمة يزيد طولها على 1600 متر، وذلك ضمن أعمال كشف أثري وحفريات أثرية قامت بها دائرة الآثار في حكومة الانتداب البريطاني عام 1941م".

وأضافت: "نتجت عن تلك الأعمال الكشف عن تلك المستعمرة الفينيقية، إضافة إلى أنه تم العثور على امتداد هذه المستعمرة الفينيقية على مقبرة استخدمت لدفن رماد جثث الموتى التي تم حرقها ووضعها في قدور فخارية".

وأشارت إلى أن هذه المقبرة يعود تاريخها إلى فترة (العصر الحديدي المتأخر) وبدايات الفترة الفارسية، أي ما بين عامي (538 ـ 332 قبل الميلاد).

وقالت البيطار: "ما يلاحظ من المكتشفات أن هذه المنطقة كانت امتدادا طبيعيا وجغرافيا ربط الطريق البحري التجاري القديم الواصل بين بلاد الشام ومصر".

وأضافت: "الكثير من اللقى الأثرية تم العثور عليها في تل الرقيش تؤرخ لتلك الحقبة التاريخية ومن ضمنها الفخار المرقش المعروف باسم فخار الرقيش وهو الفخار الرقيق المزخرف بزخارف تشبه عظام ظهر السمكة لذلك سمي هذا التل باسم تل الرقيش".

وأضافت: "على بعد حوالي 5 كيلومترات من هذا التل تقع منطقة وادي غزة هذه المنطقة لو رجعنا لتاريخها ذات امتداد تاريخي واحد، حيث نجد تل السكن تل الرقيش إلى الجنوب منه، ونجد تل العجول في فترة لاحقة من تل السكن وتل الرقيش".

وأوضحت الباحثة في التاريخ والآثار أن مساحة تل الرقيش تبلغ حوالي 10 دونمات، وهو تابع لإدارة دائرة الآثار في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية.

وقالت: "الموقع ما زال لاستجلاء المناطق الحضارية فيه، وبالتالي فهو مصنف في قائمة المواقع الأثرية القديمة التي يجب الحفاظ عليها وصيانتها من عوامل الاعتداءات المختلفة سواء كانت بشرية أو طبيعية".

من جهتها أكدت رنا قفة الناشطة المجتمعية على ضرورة إيلاء موقع "تل الرقيش" أهمية كبرى كونه واحدا من المواقع الأثرية القديمة والتي تؤكد أحقية الشعب الفلسطيني لهذه الأرض التي سكنها أجداده الكنعانيون قبل الميلاد.

 

                      رنا قفة.. ناشطة فلسطينية في المجتمع المدني

وقالت قفة التي تقطن وسط قطاع غزة لـ "عربي21": "منذ كنا صغارا ونحن نسمع عن موقع تل الرقيش في مدينة دير البلح، وكان لدينا شغف لزيارته والتعرف عليه وعلى تاريخه".

وأضافت: "هذا التاريخ يجب أن نعلمه لكل المواطنين لا سيما النشء الصغير، ويجب أن يدرس في الكتب المدرسية، والثقافة العامة للناس".

وشددت قفة على أهمية الحفاظ على هكذا مواقع من كافة العوامل البشرية أو الطبيعية لأنها تعبر عن تاريخ وتراث الشعب الفلسطيني الذي حاول الاحتلال على مدار التاريخ منذ البريطانيين وحتى الاحتلال الإسرائيلي طمسه بكل الطرق.

وأكدت على أن "تل الرقيش" والمواقع الأثرية التي تملأ قطاع غزة من شماله إلى جنوبه تعد من المرتكزات الأساسية للهوية الفلسطينية كونها تعبر عن الحقب التي عاشها الشعب الفلسطيني على هذه الأرض.

وقالت: "نحن كشعب فلسطيني لنا آثار قديمة من آلاف السنوات متجذرة في عمق التاريخ منذ أجدادنا الكنعانيين، والتمسك بها يعني التصدي لكل المحاولات الإسرائيلية المعادية لطمسها وسرقتها ويجب الحفاظ عليها لأنها تعبر عن سر بقاء الشعب الفلسطيني على هذه الأرض المباركة".

وأضاف الناشطة المجتمعية: "من الضروري ابتكار أنشطة إبداعية وغير تقليدية للحفاظ على هذه المواقع الأثرية، مثل إقامة الأنشطة فيها، بحيث لا يضر بها ويغير معالمها، وعمل ورش عمل ومعارض فيها، وحث المجموعات الشبابية على أن ترعاها بما يتناسب معها ومع موقعها".