تقارير

شاعر الأقصى عبد الغني التميمي ترك بصمته في هوية فلسطين

فلسطين عند الشيخ عبد الغني التميمي قضية دينية شرعية قائمة على هدي ربّاني، ولا يحق للبشر التفاوض عليه
لم يكن الشعر لدى العرب فقط ديوانا يسجلون فيه يومياتهم بكل ما فيه من إنساني، بل تحول في كثير من الأحيان إلى منبر ينحت من خلاله الشعراء معالم هويتهم وانتمائهم الحضاري، وهذا حال شاعرنا الراحل الشيخ عبد الغني التميمي، الذي نخصص زاويتنا لهذا الأسبوع لرثائه.

غيّب الموت منذ أيام الشيخ الشاعر عبد الغني التميمي، المعروف بـ"شاعر الأقصى"، الذي اخترقت قصيدتُه "متى تغضب" الآفاقَ، وسبقته إلى حيث لم يستطع هو الوصول، وبقيت صدقةً جارية له في مسار القضية الفلسطينية

ومن طريف ما عايشته أنني شاهدته يلقي هذه القصيدة في ثلاثة أقطار مختلفة، في دمشق (2006) وفي بيروت (2009) وفي إسطنبول (حوالي 2012).. ولو قُدّر لنا أمسية شعرية حين التقينا في السعودية، لسمعتها منه أيضاً هناك. حتى إن مدير إحدى الفرق الفنية اتصل بي يسألني عن صاحب القصيدة، وعن طريق الوصول إليه ليوافق على أن تؤديها الفرقة، فتواصلت مع الشيخ أستأذنه في إعطاء رقمه للمتصل، ورحّب بالأمر، بِغضّ النظر عن انتماء المتصل، وتم التواصل الذي لا أدري إلى ماذا أدّى التواصل لاحقاً.

الشيخ والأخ الكبير المتواضع الذي قدم كل جهده في خدمة دينه وقضيته، سألته في أثناء المؤتمر التأسيسي عام 2009 في بيروت لهيئة علماء فلسطين في الخارج التي ترأسها أكثر من دورة، عن همّته رغم الصعوبة البادية في حركته، فقال ما معناه، لو أن الله أراد لنا أن نغرق في الأبحاث والعلوم الدينية والشعر لما أوجدنا في مكان القضية الفلسطينية وزمانها. لكنّ وجودنا في هذا الظرف هو اختبار وابتلاء من الله ويجب أن نكون على قدر هذا الابتلاء وأن نكون عند حسن ظن ربنا بنا.

قصيدته الشهيرة "متى تغضب؟!"، نقّحها وزيّدها أكثر من مرة، حتى طالت وأصدرها في كتيّب مستقلّ..
فمن هو شاعرنا؟

هو الشاعر الشيخ عبد الغني أحمد مزهر التميمي، من سلالة الصحابي الجليل تميم الداري الذي أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم أراضي واسعة في منطقة الخليل في الأرض المباركة. ولد سنة 1947 في قرية دير نظام قرب رام الله.

أنهى دروسه الجامعية في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم انتقل عام 1984 إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة. وبعد التخرج عمل في الجامعة نفسها.. ثم انتقل للتدريس في جامعة المقدس في فلسطين، فدرّس سنتين هناك، وعاد بعدها إلى الرياض ودرّس في كلية التربية للبنات وجامعة سعود.

يحمل التميمي درجة الدكتوراه في علوم الحديث، وهو أستاذ مشارك في الحديث وعلومه، ويرأس جمعية الحديث الشريف وإحياء التراث فرع الزرقاء في الأردن، وهو عضو في رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وترأس هيئة علماء فلسطين في الخارج لأكثر من دورة حتى أقعده المرض، وكان عضواً في الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

أشعاره مباشرة كالحكم الشرعي الذي لا يقبل التأويل أو التفاوض، ففلسطين عنده قضية دينية شرعية قائمة على هدي ربّاني، ولا يحق للبشر التفاوض عليها. لذلك هو صارم حازم في أحكامه وأشعاره ملتزم بقضيته التزامه بالنص الشرعي، غير قابلة للتفاوض أو الشطب أو الإبعاد.

من مؤلفاته

ـ كتاب "تخريج الحديث النبوي"، كتاب "قواعد في تصحيح الحديث وتضعيفه".
ـ وفي الشعر لديه عدة مجموعات شعرية، منها: "ملحمة القدس"، رسالة من المسجد الأقصى"، "الظل والحرور"، "براءة"، وعدد من القصائد غير المنشورة.

أما النماذج الشعرية، فسنكتفي هنا بجزء من قصيدته الطويلة الشهيرة "متى تغضب؟": 

أعيرونا مدافعَكُمْ ليومٍ.. لا مدامعَكُمْ
أعيرونا وظلُّوا في مواقعِكُمْ
بني الإسلام! ما زالت مواجعَنا مواجعُكُمْ
مصارعَنا مصارعُكُمْ
إذا ما أغرق الطوفان شارعنا
سيغرق منه شارعُكُمْ
يشق صراخنا الآفاق من وجعٍ
فأين تُرى مسامعُكُمْ؟!

* ** **

ألسنا إخوةً في الدين قد كنا.. وما زلنا
فهل هُنتم، وهل هُنّا
أنصرخ نحن من ألمٍ ويصرخ بعضكم: دعنا؟
أيُعجبكم إذا ضعنا؟
أيُسعدكم إذا جُعنا؟
وما معنى بأن "قلوبكم معنا"؟
لنا نسبٌ بكم، والله، فوق حدودِ
هذي الأرض يرفعنا
وإنّ لنا بكم رحماً
أنقطعها وتقطعنا؟!
معاذ الله! إن خلائق الإسلام
تمنعكم وتمنعنا
ألسنا يا بني الإسلام إخوتكم؟!
أليس مظلة التوحيد تجمعنا؟!

* * *

أعيرونا مدافعَكُمْ
رأينا الدمع لا يشفي لنا صدرا
ولا يُبري لنا جُرحا
أعيرونا رصاصاً يخرق الأجسام
لا نحتاج لا رزّاً ولا قمحا
تعيش خيامنا الأيام
لا تقتات إلا الخبز والملحا
فليس الجوع يرهبنا ألا مرحى له مرحى
بكفٍّ من عتيق التمر ندفعه
ونكبح شره كبحاً
أعيرونا وكفوا عن بغيض النصح بالتسليم
نمقت ذلك النصحا
أعيرونا ولو شبراً نمرّ عليه للأقصى
أتنتظرون أن يُمحى وجود المسجد الأقصى
وأن نُمحى
أعيرونا وخلوا الشجب واستحيوا
سئمنا الشجب و (الردحا)

* ** **

أخي في الله أخبرني متى تغضبْ؟
إذا انتهكت محارمنا
إذا نُسفت معالمنا ولم تغضبْ
إذا قُتلت شهامتنا إذا ديست كرامتنا
إذا قامت قيامتنا ولم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ؟
إذا نُهبت مواردنا إذا نكبت معاهدنا
إذا هُدمت مساجدنا وظل المسجد الأقصى
وظلت قدسنا تُغصبْ
ولم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ؟
عدوي أو عدوك يهتك الأعراض
يعبث في دمي لعباً
وأنت تراقب الملعبْ
إذا لله، للحرمات، للإسلام لم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ؟!
رأيت هناك أهوالاً
رأيت الدم شلالاً
عجائز شيَّعت للموت أطفالاً
رأيت القهر ألواناً وأشكالاً
ولم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ؟
وتجلس كالدمى الخرساء بطنك يملأ المكتبْ
تبيت تقدس الأرقام ك الأصنام فوق ملفّها تنكبْ
رأيت الموت فوق رؤوسنا يَنصبّ
ولم تغضبْ
فصارحني بلا خجلٍ لأية أمة تُنسبْ؟!
إذا لم يُحْيِ فيك الثأرَ ما نلقى
فلا تتعبْ
فلست لنا ولا منا ولست لعالم الإنسان منسوباً
"فعش أرنبْ ومُت أرنبْ"
ألم يحزنك ما تلقاه أمتنا من الذلِّ
ألم يخجلك ما تجنيه من مستنقع الحلِّ
وما تلقاه في دوامة الإرهاب والقتلِ
ألم يغضبك هذا الواقع المعجون بالهولِ
وتغضب عند نقص الملح في الأكلِ!!

* ** **

ألم تنظر إلى الأحجار في كفيَّ تنتفضُ
ألم تنظر إلى الأركان في الأقصى
بفأسِ القهر تُنتقضُ
ألست تتابع الأخبار؟ حيٌّ أنت!
أم يشتد في أعماقك المرضُ
أتخشى أن يقال يشجع الإرهاب
أو يشكو ويعترضُ
ومن تخشى؟!
هو الله الذي يُخشى
هو الله الذي يُحيي
هو الله الذي يحمي
وما ترمي إذا ترمي
هو الله الذي يرمي
وأهل الأرض كل الأرض لا والله
ما ضروا ولا نفعوا، ولا رفعوا ولا خفضوا
فما لاقيته في الله لا تحفِل
إذا سخطوا له ورضوا
ألم تنظر إلى الأطفال في الأقصى
عمالقةً قد انتفضوا
تقول: أرى على مضضٍ
وماذا ينفع المضضُ؟! 
أتنهض طفلة العامين غاضبة
وصُنَّاع القرار اليوم لا غضبوا ولا نهضوا؟!

* ** **

متى يا أيها الجنـديُّ تطلق نارك الحمما؟
متى يا أيها الجنديُّ تروي للصدور ظما؟
متى نلقاك في الأقصى لدين الله منتقما؟
متى يا أيها الإعـلام من غضب تبث دما؟
عقول الجيل قد سقمت
فلم تترك لها قيماً ولا همما
أتبقى هذه الأبواق يُحشى سمها دسما؟
دعونا من شعاراتٍ مصهينة
وأحجار من الشطرنج تمليها
لنا ودُمى
تترجمها حروف هواننا قمما

*كاتب وشاعر فلسطيني