كتاب عربي 21

هل تحول تركيا دون انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو؟

1300x600

في 18 أيار (مايو) الحالي، قدّمت كل من فنلندا والسويد طلب انضمامهما إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). وُصِفت الخطوة بالتاريخية نظراً لعدول الطرفين عن سياستهما الحيادية التي تمّ إتّباعها منذ عهد الاتحاد السوفييتي، لاسيما فنلندا. يأتي هذا القرار عل خلفية احتلال روسيا لأراضي أوكرانيا وتهديدها دول الجوار بمصير مماثل. 

المفارقة أنّ هناك من جادل بأنّ روسيا إحتلت أوكرانيا لمنع حلف شمال الأطلسي من ضم الأخيرة والتمدّد باتجاه موسكو، لكنّ الواقع يقول أنّ بوتين قدّم أكبر خدمة للحلف عندما قرر إحتلال أوكرانيا، ممّا دفع دول الحلف إلى رص الصفوف المتضعضعة، ودفع العديد من الدول إلى تغيير سياساتها التاريخية القائمة على الحياد باتجاه إبداء الرغبة بالإنضمام إلى الحلف.

على أي حال، يواجه الطلب الفنلندي والسويدي اليوم معضلة تفرضها المادة 10 من ميثاق حلف شمال الأطلسي. وفقاً لهذه المادة، فإنّ إنضمام دول جديدة الى الحلف يجب أن يحظى بإجماع الدول الأعضاء حتى يتّم قبولها. هذا يعني أنّ كل دولة عضو تتمتع بشكل طبيعي وتلقائي بحق ممارسة الفيتو، بما في ذلك تركيا طبعاً. 

المسؤولون الأتراك، على رأسهم رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، كانوا أبدوا تحفّظات بشأن إنضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي على خلفية دعم الطرفين لحزب العمّال الكردستاني (PKK)  وفرعه السوري (YPG) سياسياً ومالياً وعسكرياً، واستضافتهما العديد من المطلوبين، بالإضافة إلى فرضهما حظر تسلّح على أنقرة على خلفية دورها في سوريا. 

وتفاعلاً مع الإعتراض التركي، أظهر الجانب الفنلندي تفهّماً لموقف أنقرة المتحفّظ وأصدر المسؤولون الفنلنديون تصريحات إيجابية وبنّاءة تشير الى نيّتهم بحث مخاوف تركيا بشكل جدّي مع المسؤولين الأتراك. لكن وبخلاف فنلندا، لم تتجاوب السويد بنفس الشكل وهو ما دفع الرئيس أردوغان إلى التشدّد في موقفه ورفضه الإنضمام ما لم يتم التراجع عن دعم الحركات الإرهابية واحتضان عناصرها. 

كالعادة، صوّر الإعلام الغربي موقف تركيا على أنّه حالة شاذة داخل حلف شمال الأطلسي، وغيّب بشكل تام الحديث عن مسألتين جوهريتين، أوّلها أنّ أنقرة تمارس حقّها الذي يكفله ميثاق الحلف، والثاني أنّ الدول المذكورة تدعم حركة يصنّفها الحلف نفسه والإتحاد الأوروبي حركة إرهابية. وطبعاً، لم يشر الإعلام الغربي نهائياً الى أنّ دولة مثل اليونان عطّلت دخول مقدونيا الى الإتحاد الأوروبي وحلف شما الأطلسي لسنوات طويلة بسبب إعتراضها على اسم الدولة الذي تعتبره اليونان خاصّاً بها. وبالفعل، لم تدخل مقدونيا الحلف إلاّ بعد أن قامت بتغيير إسمها رسمياً الى جمهورية شمال مقدونيا. 

ما تحاول تركيا فعله الآن هو أن تقول أنّ منظمة حلف الأطلسي هي منظّمة أمنيّة وأنّ أمن الدول الأعضاء جزء أساسي من إنشغالها وعملها، وعليه، لا يمكن القبول بضم دول تناقض جوهر الحلف وتعمل على تهديد وتقويض دولة عضو هي تركيا. أنقرة لا تريد أن ترفض ضم البلدين فهي تتفهّم مخاوفهم الأمنيّة، لكنها تقول أنّ عليهم أن يتفهّموا مخاوف تركيا الامنيّة حتى يتم قبول عضويتهم. 

طلبات تركيا واضحة. إدانة الطرفين للإرهاب مع الإشارة الى حزب العمّال الكردستاني وأفرعه المختلفة بالإضافة الى رفع الحظر على السلاح عن تركيا. فيما يتعلق بالطلب الأخير، فلا يتعلق الامر بالتعاون الدفاعي بقدر ما يتعلق بالسياسي ذلك أنّ التراجع عن هذا القرار يعني أنّ هذه الدول كانت مخطئة عندما فرضته. علاوةً على ذلك، رفع هذا الحظر يعني إقرار بالتراجع عن دعم الإرهاب على اعتبار انّ فرضه جاء كتعبير عن دعم هذه الدول لميليشيات (واي بي جي) في وجه الحملة العسكرية التركية شمال سوريا. 

 

ما تحاول تركيا فعله الآن هو أن تقول أنّ منظمة حلف الأطلسي هي منظّمة أمنيّة وأنّ أمن الدول الأعضاء جزء أساسي من إنشغالها وعملها، وعليه، لا يمكن القبول بضم دول تناقض جوهر الحلف وتعمل على تهديد وتقويض دولة عضو هي تركيا. أنقرة لا تريد أن ترفض ضم البلدين فهي تتفهّم مخاوفهم الأمنيّة، لكنها تقول أنّ عليهم أن يتفهّموا مخاوف تركيا الامنيّة حتى يتم قبول عضويتهم.

 



هناك من يشير إلى وجود طلبات أخرى تتعلق بالولايات المتّحدة، لكن لا أعتقد أنّ هذه المطالب تتعلق بالموقف من السويد وفنلندا بقدر ما تتعلق بالدور الذي تلعبه أنقرة في الأزمة الروسية ـ الأوكرانية وتسليح تركيا الفعّال لكييف.

آخذين بعين الإعتبار سلوك فنلندا الإيجابي، على الأقل من الناحية الشكلية، سيكون من الخطأ أن تتعامل تركيا مع الدولتين بنفس الاستراتيجية. فنلندا تبدو أكثر نضجاً وإنفتاحاً على مناقشة مطالب أنقرة المشروعة، فيما تظهر السويد غطرسة وإصراراً على عدم التراجع أو الاعتراف بأخطائها. سيكون من الجيد أن تتحدّث تركيا عن قرب إنضمام فنلندا نظراً لموقفها الإيجابي. 

إتّباع سياستين مختلفتين تجاه الدولتين من شأنه أن يخلق فوائد جمّة لأنقرة. أوّلاً، يمنع تمسّكهما بأجندة واحدة، وبالتالي يخلق تمييزاً إيجابياً بينهما. هذا التمييز مطلوب ليس لإمتصاص الهجوم الإعلامي الغربي فقط، وإنما لإضعاف حوافز تمسكهما بأجندة واحدة ضد تركيا، ولخلق نقاشات داخلية في الدول التي تدعم أجندتهما ضد أنقرة.

ثانياً، اتباع سياستين مختلفتين يُظهر أنّ تركيا ليست ضد انضمام الدولتين كما يصوّر الإعلام الغربي، لكنّه ضد من يتمسك بدعم الإرهاب وتقويض أمن تركيا، وأنّه من غير المقبول أن يكون مثل هذا العضو في حلف شمال الأطلسي. مثل هذا التمييز سينسف الرواية الغربية. ويسحب البساط من تحت من يريد أن يوظّف الموقف لضرب مصداقية تركيا. فضلاً عن ذلك، فهو يرسل رسالة إلى كل من روسيا وأمريكا إلى أنّ أولوية تركيا هي أمنها وليس إرضاء أي منهما.

فضلا عن ذلك، فانّ التركيز على أنّ السلوك الإيجابي والتراجع عن دعم الإرهاب ينجم عنه مكافأة صاحبه من خلال رفع الفيتو على انضمامه من شأنه أن يزيد الضغط على السويد وينقل النقاش إلى الموضوع الأساسي وهو أنّ دعم السويد لحركات إرهابية هو الذي يعطّل انضمامها إلى الحلف وليس تركيا. أخيراً، فإنّ هذه الاستراتيجية من شأنها أن ترسل رسالة إلى الدول الأخرى الداعمة للحركات الإرهابية ضد أنقرة أنّ هناك أثمانا باهظة سيكون عليهم دفعها في مرحلة من المراحل ما لم يتم حلّها في الوقت المناسب.