كتاب عربي 21

أيها الناس ما زال فينا عباس

1300x600
الشيخ الدكتور عبد السلام البسيوني داعية ومفكر إسلامي، وما هو أهم من كل ذلك أنه مثقف عضوي، وهذا مصطلح سكه المفكر الماركسي (!!) أنطونيو غرامشي ليصف به الشخص الذي يستطيع أن يُدرك بمهارة تنم عن وعي ثقافي مائز تُعبر عن جماعته التي ينتمي إليها، وفق تفسير واقعي أخاذ، نافذ، ومقبول لحاجيات وتصورات الشريحة/ الفئة التي ينتمي إليها. فقد أثرى الرجل المكتبة بعشرات المؤلفات، بل تحسب أن لا شغل له سوى القراءة والكتابة لغزارة وتنوع إنتاجه الفكري، في أمور الدين والأدب وفنون العمارة والخط العربي، وفوق هذا كله فهو زجال وشاعر وصاحب قلم ساخر ساحر.

أهاج البسيوني شجوني بموافاتي بصور قلمية لصنوف مختلفة من الرجال: النذل والخائن والديك والنمام والعُقاب والصرصار والفيسبوكي، معدِّدا خصال كل صنف، ووجدت نفسي واقفا طويلا عند محطة "الرجل الحيطة"، متخذا من "عباس الحيطة" الذي جعل منه الشاعر الراحل أحمد مطر نموذجا للشخص الذي يعاني من موات القلب والحس وانعدام المروءة والنخوة والغيرة الحميدة.

ما أهاج الشجون، أنه ما إن يأتي ذكر أحمد مطر، حتى تستدعي الذاكرة مظفر النواب، ذلك الشاعر المتميز الذي رحل عن دنيانا في 20 أيار/ مايو الماضي، بعد أن ظل صوته الشعري الجهور يشحذ الهمم؛ لنبذ الخور والخنوع والخضوع للطغاة الذين باعوا قضايا الأوطان، ثم يتداعى إلى الذاكرة شعراء أفذاذ قبضوا على جمر "القضية"، وكانوا حداة الأمل في غد أفضل: محمود درويش وسميح القاسم وأمل دنقل وتوفيق زياد.
ما أهاج الشجون، أنه ما إن يأتي ذكر أحمد مطر، حتى تستدعي الذاكرة مظفر النواب، ذلك الشاعر المتميز الذي رحل عن دنيانا في 20 أيار/ مايو الماضي، بعد أن ظل صوته الشعري الجهور يشحذ الهمم لنبذ الخور والخنوع والخضوع للطغاة، الذين باعوا قضايا الأوطان

ما ميز أحمد مطر عن سائر "شعراء الوطنية"، هو أنه كان يرى أننا بإزاء أكثر من قضية، وأن المحتل الداخلي- المحلي في أوطاننا أشد خطرا علينا من المحتل الخارجي، وكان يرى بأن كل واحد منا يحتاج إلى الخلاص الفردي لننتقل إلى الخلاص الجمعي، لتتحرر أوطاننا المستقلة اسما وشكلا، ثم نعمل على طرد الغاصبين من أرضنا، وقوبلت نداءاته وصيحاته باستجابة واسعة؛ لأنها جاءت في لغة شعرية سهلة، غير موغلة في الرمزية العصيّة على الفهم.

واختار د. البسيوني "عباس الحيطة" الذي قام مطر بتخليقه؛ لأنه نموذج للشخص المستكين الذليل أمام الغاصب المعتدي المحتل العُتُل الزنيم، "وأهم ملامح شخصيته -رغم كونه أستاذا في الادعاء، والمظهرة، والاعتراض، والشجب- أن عباسا هذا شخص (جدار) مسلوب الأحاسيس: تلطمه على خده فلا ينتبه! تصفعه على قفاه فلا يهتم! تلعن "اللي خلفوه" فلا يبالي! تجول بيدك -أمام عينيه- تحت ثياب زوجته، فلا يهتز! بل إن أعداءه ليفعلون به الأفاعيل، ويسوون فيه الهوايل، ويرتكبون معه ما لا يتخيل، وهو "آخر تمام" لا يحمر له وجه، ولا يرف له جفن، ولا يغضب حتى لو رأى امرأته وبناته مع رجل، ورأى ماله وحلاله في أيدي اللصوص، ورأى أبناء أخيه يذبحون من أعناقهم!

وكأن عباس المسكين هذا لا يكفيه ما ناله من مطر، يمضي البسيوني في تشريحه وإن شئت قل شرشحته: وهو جميل الشكل، فارع القامة، معجب كثيرا بنفسه، يرى أنه بُرَم، وأنه خطير، وأنه كبير، وأنه "عايش" بغض النظر عن شكل الحياة التي يحياها، بل إنه كثيرا ما يكرم اللصوص إذا دخلوا بيته "لينفِّضوه"؛ على أساس أن إكرام الضيف واجب، وأن مكارم الأخلاق العباسية تقتضي الترحيب بالسيد الضيف، حتى لو قال بنفسه إنه يدخل سارقا مستبيحا!
كأن عباس المسكين هذا لا يكفيه ما ناله من مطر، يمضي البسيوني في تشريحه وإن شئت قل شرشحته: وهو جميل الشكل، فارع القامة، معجب كثيرا بنفسه، يرى أنه بُرَم، وأنه خطير، وأنه كبير، وأنه "عايش" بغض النظر عن شكل الحياة التي يحياها، بل إنه كثيرا ما يكرم اللصوص إذا دخلوا بيته

عبر اللصُّ إليه وحل ببيتهْ/ أصبح ضيفَه/ قدّم عباسُ له القهوة.. ومضى يصقل سيفه../ صرخت زوجته: عباس: أبناؤك قتلى../ عباس: ضيفك راودني../ عباس: قم أنقذني يا عباس/ عباسُ وراء المتراس.. منتبهٌ لم يسمع شيئا/ زوجته تغتاب الناس.

ويهتك اللص العرض بعد أن دانت له الأرض (الغرفة) فيهدر: فلتسقط المؤامرة/ فلتسقط المؤامرة، فاستحق بذلك التحية من البسيوني: ما قصرت والله، عشت يا أخ عباس، عشت رمزا للنخوة والرجولة وبعد النظر! عشت رمزا للغيرة، والمحافظة على القيم، والموت دون الشرف اللي زي عود الكبريت. عشت يا أبا الأهوال، يا أبا المراجل والشوارب، عشت يا أبا العوائد، يا رمز النضال!

والعبابيس بين ظهرانينا كثر، ولفت الانتباه إليهم في سبعينيات القرن الماضي الشاعر الباسل مظفر النواب في لغة تقريرية مباشرة: القدس عروس عروبتكم؟ / فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها؟ ووقفتم تستمعون وراء الباب لصرخات بكارتها/ وسحبتم كل خناجركم وتنافختم شرفا/ وصرختم فيها أن تسكت صونا للعرض/ فما أشرفكم/ أولاد الـ(..) هل تسكت مغتصبة؟

ويمسك البسيوني مجددا بملف عباس وينشر غسيله: لقد مزقوا قرآنه -كلام ربه تعالى- ووضعوه في المراحيض، وسخروا منه ومن دينه، وهو يبتسم، ويرسم علامة النصر بإصبعيه، وكأن هذا القرآن لا يعنيه! رغم أنه يعلن أنه مسلم، يخاف الله في السر والعلانية. واتهموه هو وذريته بالتخلف والإرهاب والظلامية وعداوة الحضارة، وهو لا يبالي، ولا يهتم؛ لأنه واثق أنه أنظف واحد في الكون، وأن الذين يرمون هذه الاتهامات "مش قصدهم"، فهم إما لا يعنونه، أو لا يقصدون هذا الكلام!

ويختم البسيوني قصة عباس بأرجوزة "راب": عباس خرج/ عباس دخل/ عباس راح كوبنهاجن/ عباس زار تل حبيب/ عباس قبض/ عباس تألق/ عباس أبدع/ عباس تقيأ/ عباس شاطر/ عباس "أجدع كتير" من المعلم يعقوب، ومن ابن العلقمي وكل الجواسيس والعملاء، وليعش عباس، ولتمت الأمة، وليمت تاريخها، وقيمها.