قضايا وآراء

عن التمحك المستجد بموسى الكليم

1300x600
قال أحد الحكَّائين إن مَدْيَنَ سيدنا شعيب هي بجانب الكرك في الأردن، وأن سيدنا موسى حين نزل بها فإنه اسْتُقْبِلَ بالذبائح والولائم؛ فصنع له القوم المنسف، وزوجوه من بناتهم.. لا ريب في أن هذه السردية مستجدة، وقبل البحث في دوافعها، فلا بد من التوقف أولا عند التزوير والتحريف والسخف الذي انطوت عليه.

بداية، لم يشتهر أن مدين موجودة في الأردن. لعل هناك رواية ما بذلك، لكن بالاستقراء فإن وجود إشارة تاريخية كهذه متوقع، فالروايات تتعدد بخصوص جغرافيا الأحداث في بلادنا، نظرا لتكرار استعمال أسماء القرى والمدن في الأقاليم العربية. لكن الرواية المستقرة الأكثر شيوعا تضع مدين قرب مدينة تبوك شمال الحجاز، والربط بينها وبين الكرك والأردن المعاصر ليس شائعا، بل صعد للسطح برواية هذا الحكّاء.

وصاحبنا هذا سبق له أن وقع في مثل هذا التسطيح، فربط بين منطقتي السخنة والزرقاء في الأردن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، في سياق الدعاية الانتخابية. تلك السابقة تنبئ عن خفة واستسهال لاستدعاء الآثار، لأغراض خاصة وشخصانية. كذلك، فإن الصورة التي رسمتها الرواية محل النظر توحي بأن الزمن متوقف في الكرك منذ عدة آلاف من الأعوام -من عهد سيدنا موسى- وحتى اللحظة، فاحتفظت الكرك بواقع اجتماعي واقتصادي وثقافي، بل حتى بمطبخها على حاله منذ ذلك الحين. لم يكن ينقص الصورة الملهاة إلا أن يقول الحكاء إن سيدنا موسى حمل للقوم في مدين "كولونيا" ومكسرات اشتراها من السوق الحرة في العقبة، وبعض اللحف والحرامات التي اشتراها من "سعودية القرون الأولى".

ولو سلمنا جدلا بأن جغرافيا مدينة الكرك هي جغرافيا موسى وشعيب، ولو سلمنا بأن الناس واللغات والأبجديات والأديان والسلطات السياسية تغيرت في المنطقة من حينه مرات عديدة، لكن بقيت المناسف والجميد -وخبز "الشراك" من باب أولى- على حالها، فكيف لنا أن نتخلص من الإشكالية الفاقعة في المتن؟

في قصته مع مدين، كما يفهم من النص القرآني بكل وضوح، فإن موسى حل في قوم لئام يحولون بين النساء والمستضعفين وقضاء حوائجهم، ولولا دخول موسى في المشهد لما سقت الفتاتان ابنتا شعيب سقايتهم، بل بلغ الأمر أن موسى استحق لقوته وأمانته وظيفة عند أبيهما الشيخ العجوز، وعرضا بالزواج. لا يمكن لمتلقي القصة من القرآن إلا الإحساس بأن قائمة الشباب القوي الأمين في مدين كانت قصيرة جدا، فضلا عن بعد القوم من باب أولى عن تقاليد الذبح للضيف وإطعام الغريب. هم لا يبالون بخفارة بنات قومهم في حاجاتهن، فكيف بالغريب؟

هذا الافتئات الصريح على المتن كفيل بحلق مصداقية الحكاء، لكن من قال إننا نحاكم "دعاة الإنترنت" إلى مرجعيات ديننا وأدواته في الحكم على الرجال؟ ذلك نقاش ليوم آخر، لكن بالعودة لموضوعنا؛ فنحن بصدد رواية متهافتة شكلا وموضوعا. وحتى لو صح المتن فإن توظيف الأنبياء والمرسلين في أجندة شخصية، مرتبطة بإقليم ما -مهما كان هذا الإقليم محببا لنا وعزيزا علينا- هو تجيير تسطيحي لمعاني النبوة والرسالة العابرة للتاريخ والجغرافيا، وحبس لها في حيز محدود آنيا ومكانيا.

نتذكر هنا مقالة سفيه فخر على العالمين بجنسيته، لأن سيد بني عدنان بزعمه يحمل تلك الجنسية (جنسية لنظام سياسي لم يتخلق إلا بعد 1300 عام من رحيل النبي العربي). ولو كان الربط المستجد بين كليم الله ومكان ما، نابعا من محض البحث عن رمز ديني لتعزيز التعلق بذلك المكان، لكان الأمر مقبولا، لكن سياق الإعلان عن هذه الرواية المتهافتة يشي بالأسوأ.

جاء هذا "الاكتشاف" الأثري المفاجئ في معرض دفاع الحكاء عن حضوره اجتماعا تطبيعيا، أنصت فيه لخطبة حاخام صهيوني في مجلس انعقد في أحد العواصم المرحبة بالصهاينة. دافع الحكاء عن حضوره الاجتماع بقوله إنه كان علنيا (هناك خطأ شائع عند كثير من المشاهير في أن علنية الاقتراف لإثم ما هي دليل دامغ على مشروعية ذلك الإثم)، وفي نفس موقف الدفاع عن الإنصات لخطبة الحاخام الصهيوني، تدحرج الكلام وتبلورت قصة ربط مدين بالجميد.

وورد في عطف الكلام أيضا إفصاح مهم عن مكنون نفس المتكلم، حيث نبه إلى أنه كان سيزور المسجد الأقصى لولا خشيته من أن يُسْلَقَ بألسنة حداد من الجمهور. هذا الجمهور القاصر عقلا، الذي ستفوته الحكمة اللدنية من زيارة الحكاء المتفوق وعيا وفهما، للمسجد الأقصى الرازح تحت حراب جيش قعيده الحاخام. ولِمَ لا، فقد تكون الحُجب قد انكشفت لصاحبنا الحكّاء من طول الصحبة مع فريق من "العارفين"، الذين يرتزقون هم أيضا في البلاط الذي يرعاهم ويرعى التطبيع؟

إن هذا الود المستحدث، والتزلف الطارئ لكليم الله، هو فلتة من فلتات لسان القائل. قد يكون الباعث عليها بريئا، من جهة أن القوم كثيرو الكلام، ومن كثر كلامه كثر سقطه. وقد يرى بعض "الخبثاء" أن تلك الكلمة ليست إلا تملقا للمغضوب عليهم من قادة التطبيع مع العدو الصهيوني. وعندها يكون هذا التملق جاريا -كما يقول الأحبة في مصر- "بتجويد" لا يتقنه إلا أبناء صناعة "المشيخة".

وقد يقول قائل، إن أولئك "الخبثاء" يقسون على الحكاء حين لا يزيدون على اعتباره بيدقا من بيادق لعبة التطبيع، التي تحركها يد أصحاب المشروع. فهم سيلاحظون أن هذا الحكاء يثني على أهل فلسطين ويدعو لنصرتهم بالدعاء -حصرا بطبيعة الحال- ولا يتكلم مثلا بمقالات تشبه مقالات مهرجي الذباب الالكتروني، وهم ينهشون عرض الشعب الفلسطيني.

هو أيضا لا يقول مثل الروائي "الجعر" إن المسجد الأقصى في "الجعرانة" عند الطائف، فكيف يستقيم أن نحسبه على عضوية ذات النادي، نادي الأصوات الإعلامية التي تسعى لأن تروض الجمهور العربي لقبول التطبيع؟ إن مواقف حكّائنا الجيدة نسبيا قياسا بمن تقدم ذكرهم من طغام ورغام التلفزيون والإنترنت، هي شهادة تقدير للشعب الأردني، وليست بالضرورة للحكاء. إن وعي الشعب الأردني السياسي والديني، بل تعصبه المبدئي فيما يخص القضية الفلسطينية، يقتضي من جماعة المطبعين اختيار أدوات مختلفة تماما لمحاولة تعويده -وأنّى لهم ذلك- على فكرة التطبيع. ولهذا السبب فقط يحتاج الهجوم على وعي الشعب الأردني فيما يخص قضية التطبيع إلى خطاب مغاير، ومقالات تختلف عن مقالة "لا فلسطين بعد اليوم"، ومثل ذلك مما يرغو به ويثغو خلف كجلد الأجرب، في الفضاء الالكتروني.

أيا كان الأمر، فلقد أخطأ جمهور المسلمين عبر التاريخ، وزاد من جرعة الخطأ الخطيئة في الوقت المعاصر، حين تساهل في إسباغ ألفاظ وأوصاف الدعوة والمشيخة والعلمائية على كل من تكلم بمفردات ومصطلحات الدين، أو التزم بديكور وعدة "رجل الدين" من لحية، وعمامة، و"بروفايل" ورع على فيسبوك، أو "بيو" رقيقة القلب على تويتر، تتغزل في قيم الإسلام، وتتمحك بآمال و"حنتفيش" الأمة.

بات من الضروري أن نفرق بموضوعية وبأعصاب باردة بين شيخ أو داعية يصيب ويخطئ، وبين "مؤثر" في وسائل الاتصال الاجتماعي يتخذ من الدين بضاعة وتخصصا في الانتشار والاشتهار. هؤلاء المؤثرون يسعون للشهرة، ومن ثم لجني المال من الانتشار والشهرة، من عوائد الإعلانات في تلك الوسائط. لا فرق هنا بين مؤثر بضاعته الدين وآخر بضاعته السفر أو الطبخ أو الموضة والأزياء. أما إذا كانت بضاعة التأثير تنتمي لعالم الأفكار والقيم والمعاني، فهناك مصادر إضافية للتورق، بالارتزاق عند أنظمة الاستبداد والخيانة والتطبيع. وقد جرت الشواهد بذلك حين رأينا عددا من "المؤثرين" وقد حطت رحالهم في مضارب التطبيع والظلم.

وقد يُعْذَرُ الخبثاء في جنوحهم لسوء الظن في بعض الدعاة، فقد صار الفضاء العربي غابة من الغش والكذب والتزوير. مُطَفِّفُون يرتعون في أَيْكَة ولا يوم ظلة لها!