قضايا وآراء

لماذا استبعد النظام السوري من القمة العربية؟

1300x600

لن يكون النظام السوري جزءا من القمة العربية المقرر عقدها في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل بالجزائر، فقد أعلنت الخارجية الجزائرية بلغة دبلوماسية، أن وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد أبلغ نظيره الجزائري رمطان لعمامرة، أن "دمشق تفضل عدم طرح موضوع استئناف شغل مقعدها بجامعة الدول العربية خلال قمة الجزائر، وذلك حرصا منها على المساهمة في توحيد الكلمة والصف العربي في مواجهة التحديات التي تفرضها الأوضاع الراهنة على الصعيدين الإقليمي والدولي".

لغة بيان الخارجية الجزائرية يظهر بين سطوره استمرار رفض بعض الدول العربية لعودة النظام إلى الجامعة العربية، وهو ما حاولت الجزائر خلال عام كامل تجاوزه دون أن تنجح في ذلك.

منذ شباط (فبراير) الماضي، بدا واضحا أن النظام السوري لن يكون جزءاً من القمة العربية، فقد صرح الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، بأن عودة سوريا إلى الجامعة مرتبطة بتوافق عربي وتجاوب "الحكومة السورية" مع المواقف العربية المطروحة.

لم يحدد أبو الغيط طبيعة المواقف العربية المطروحة، لكنه أكد أن القرار الدولي 2254 يطالب بمواقف محددة، ما يعني تقديم النظام السوري لخطوات تجاه الحل السياسي، قبيل القبول بعودته إلى الجامعة العربية.

بدت تصريحات أبو الغيط آنذاك خارج السياق العربي المنفتح على النظام السوري بقيادة إماراتية وبحرينية وجزائرية، وبدعم عراقي ولبناني وأردني ومصري وتونسي وعماني، وصمت سعودي، كل لأسبابه.

سبب الانفتاح الإماراتي اقتصادي متعلق بالاستثمارات الكبيرة المجمدة في سوريا منذ عام 2011، وسياسي متعلق بتوسيع مروحة التحالفات بعد وصول بايدن إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة والضغوط التي مورست على الإمارات في الملفات العربية.

أما البحرين فسياستها مرتبطة بسياسة الإمارات والسعودية التي بدأت منذ عام 2016 تتراجع وتبتعد عن الملف السوري، بل وتتعامل معه في ضوء خلافها مع قطر وتركيا.

بالنسبة لمصر، فالمسألة متعلقة بتحالفات أمنية لمواجهة الإخوان المسلمين في العالم العربي، ومواجهة الدول التي تدعمهم (قطر، تركيا)، في حين لا نجد تفسيرا سياسيا معقولا لانفتاح تونس على النظام السوري، سوى أنه رعونة وحمق سياسي من قبل قيس سعيد في إطار المناكفة السياسية، ورغبته بالحصول على أي دعم خارجي له.

يختلف الموقف العراقي واللبناني عن المواقف العربية في أسباب العلاقة مع دمشق، فهما بلدان محكومان من قبل إيران، فضلا عن أن الحدود المشتركة بينهم، تجعل من التواصل الأمني والسياسي والاقتصادي مسألة ضرورية في ضوء الانهيار الحاصل في البلدان الثلاثة.

بعض هذه الأسباب كان سببا في تحول الموقف الأردني تجاه النظام السوري، ودعوة الملك عبدلله إلى ضرورة الانفتاح على دمشق، لأسباب أمنية بالدرجة الأولى، مع الأخذ بالاعتبار الحذر وعدم الثقة التاريخية للأردن بالنظام السوري.

 

العلاقة السورية الجزائرية متشابكة وراسخة، تشمل البعد الاقتصادي، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بينهما قبيل اندلاع الثورة السورية 600 مليون دولار سنويا، وتشمل البعد السياسي، حيث تتوافق العاصمتان على كثير من ملفات المنطقة، خصوصا فيما يتعلق بإسرائيل، إضافة للعلاقة الوجدانية بين البلدين بسبب عبد القادر الجزائري الذي عاش في سوريا.

 



بالنسبة لعمان، فالمسألة مختلفة تماما، فهي لم تقطع علاقتها بالنظام السوري إطلاقا، ليس دعما له، بقدر ما هي استراتيجية عمانية قائمة على ما يشبه الحياد السياسي في قضايا المنطقة، وهي استراتيجية واظبت مسقط عليها منذ عقود، وجعلت منها بوابة للتفاوض غير المباشر بين الأطراف المتنازعة.

أما الجزائر، فهي من الدول العربية القليلة التي لم تقطع علاقتها بالنظام السوري بحكم العلاقة التاريخية والتعاطف الوجداني والسياسي بين البلدين.

العلاقة السورية الجزائرية متشابكة وراسخة، تشمل البعد الاقتصادي، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بينهما قبيل اندلاع الثورة السورية 600 مليون دولار سنويا، وتشمل البعد السياسي، حيث تتوافق العاصمتان على كثير من ملفات المنطقة، خصوصا فيما يتعلق بإسرائيل، إضافة للعلاقة الوجدانية بين البلدين بسبب عبد القادر الجزائري الذي عاش في سوريا.

باعتبارها الدولة المستضيفة للقمة العربية المقبلة، أرادت الجزائر أن تحقق خرقا عربيا في الملف السوري، بإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، لكن رفض بعض الدول العربية الحازم هدد انفراط عقد القمة، وهو أمر لا تتحمله الجزائر، فجرى التوافق على إبقاء الموقف العربي من سوريا كما هو.

جاء التشدد العربي من دول كانت حتى الأمس القريب تدعم عودة سوريا إلى الجامعة العربية علنا (مصر) وسرا (السعودية)، غير أن تغير التحالفات في المنطقة (فك الاشتباك السياسي بين قطر وتركيا من جهة ومصر والسعودية من جهة ثانية)، شكل قاعدة سياسية جديدة للتفاهمات، وقدم كل طرف للآخر بعض التنازلات في الملفات الهامشية، ومنها الملف السوري، وهذا ما يفسر تشدد الرياض والقاهرة حيال عودة النظام إلى الجامعة العربية، قبيل تقديم تنازلات سياسية والمضي في العملية التفاوضية وفق مرجعيات الأمم المتحدة، لا سيما القرار الدولي 2254.