كتاب عربي 21

مبادرات زائفة لـ"عودة المعارضين".. مفاهيم ملتبسة (20)

1300x600
ترجل الفارس.. فقدت الأمة الإسلامية عالما جليلا قلّما يجود الزمان بمثله، فقد رحل عن عالمنا الشيخ الفقيه الفاضل والعالم الكبير ومجدد هذا القرن الشيخ يوسف القرضاوي، وهو رجل بأمة. ورجل بأمة لا يمكن لمجلدات وليس سطورا قليلة أن توفيه حقه أو تعرف به.

ولكن رحيله وإن كان خسارة كبيرة ومصابا جللا إلا أن علم الرجل وأفكاره ونظرياته ونظراته في العلوم الشرعية والدينية باقية أبد الدهر، وستظل نبراسا على دور كفاحي قام به في خدمة دينه وأمته ووطنه. وقد كشفت ردود الفعل على رحيله في أقطار العالم الإسلامي عن قيمة الرجل وفضله.

وقد جاءت وفاته في يوم كتابتي لهذه المقالة بخصوص مبادرة أحد السياسيين المصريين بشأن عودة المصريين من الخارج، وقد رأيت أن الكتابة عن الشيخ تحتاج لعدة وإعداد لتفحص تراثه الثري وتأثيره الجلي؛ وكتابة مقال مستقل بل مقالات؛ فمثل هذا الرجل يجب أو يوفى قدره وحقه.

من الذي تلقى خبر وفاته بالإهمال أو الإغفال أو الإنكار؟ إنها نظم الاستبداد الذي واجهها وعلى رأسها نظام الثالث من تموز/ يوليو الذي يخاف علماء الأمة، بينما يقرب منافقيه من علماء السلطان.. عالم بهذا الحجم يمنعون إقامة صلاة الغائب عليه وينبهون على الكافة ألا يقدموا عبارات العزاء وكلمات الرثاء؛ هذا وهو العالم الكبير فقيه الأمة الذي انتقل الى حوار ربه؛ فلم يقدروا عالما هو فخر لمصر بل فخر الأمة الإسلامية بأسرها. هذا عملهم في موته؛ فما هي حقيقة أفعالهم حيال أحياء من آحاد الناس يدعونهم للعودة ضمن مبادرة أمنية مشبوهة؟ في جنازته رأيت كثيرا ممن حضروها هم ممن توجه إليهم هؤلاء بمبادرتهم المزعومة الزائفة، من الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق من شباب مصر الناهض وعلماء مصر والخبراء.
لا يسعني إلا أن أبيّن زيف هذه المنظومة وأعوانها سواء في ثوب مدني أو إعلامي أو أمني، فالجميع يخدم النظام ويتذلل له بأشكال مختلفة

هذه المبادرة تستحق منا أن نفندها ونبين زيفها وتلبيسها على الناس، مثل الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي لم تكن إلا من قبيل فائض الكلام، وأن النظام الذي يريد عودة مشروطة للمصريين في الخارج هكذا يتعامل مع المصريين أحياء وأمواتا بأن يفتح عليهم أبواب الهجوم والتلسين، ولا يوفيهم حقهم أمواتا فكيف بهم وهم أحياء؟

وفي هذا الإطار لا يسعني إلا أن أبيّن زيف هذه المنظومة وأعوانها سواء في ثوب مدني أو إعلامي أو أمني، فالجميع يخدم النظام ويتذلل له بأشكال مختلفة. وبادئ ذي بدء نؤكد أن بيان/ مبادرة الأستاذ محمد السادات بشأن عودة المعارضين المصريين من الخارج وفق اشتراطات معينة تحدد مَن هو المواطن المخاطب بالعودة، وكيف سيعيش داخل الوطن عند عودته، تعبر عن حالة السيولة التي تعيشها مصر في الوقت الراهن.

ومسائل السيولة والالتباس متعددة ومتشعبة ومقعدة في الوقت نفسه، ويمكن تلمس هذه الحالة من جوانب عدة، سواء ما يتعلق بالوضع العام الذي استدعى ظهور مثل هذه المبادرة، أو صاحب المبادرة، والمبادرة نفسها، وأخيرا رد الفعل المتوقع على هذه المبادرة، خاصة أن هذه العناصر مجتمعة ترسم الشكل العام لمصر الراهنة التي تعمل في خدمة الانقلاب على حساب الوطن والمواطن، موارده ومكانه ومكانته ومستقبله، حيث تعبر المبادرة عن الأزمة التي يعيشها النظام ومحاولات الانفكاك منها في إطار تخفيف الضغوط سواء من الداخل أو الخارج، في ظل تفاقم الأخيرة مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المأزومة التي فرضت عليه بعض الإجراءات الشكلية، من مثل استراتيجية حقوق الإنسان، والحوار الوطني، والاضطرار إلى الإفراج عن بعض المعتقلين/ المسجونين، وإن كانت جميعا لا تزال تحت سيطرة النظام وهيمنته الكلية.

حالة السيولة في أوضح صورها في أن البيان صادر عن رئيس حزب لا يمتلك أي منصب رسمي في الدولة، وليس عضوا في أبرز اللجان والهيئات التي تزعم أنها تفكك الوضع السياسي الراهن، من مثل الحوار الوطني أو لجنة العفو الدولية، وإن كان لا يزال عضوا في المجلس القومي لحقوق الإنسان. كما أنه يتعرض للهجوم ليل نهار من كثير من أطراف داخل النظام الحالي، وإن كان السادات نفسه ومن يرى في مبادرته خيرا يظن به أنه يعبر عن جزء من النظام أو جهاز من أجهزته. وقد حرص السادات نفسه في مبادرته على بيان ذلك، بالإشارة إلى أن المبادرة تحظى برعاية أجهزة الدولة الرسمية.
تعبر المبادرة عن الأزمة التي يعيشها النظام ومحاولات الانفكاك منها في إطار تخفيف الضغوط سواء من الداخل أو الخارج، في ظل تفاقم الأخيرة مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المأزومة التي فرضت عليه بعض الإجراءات الشكلية

وقد عنونت المبادرة نفسها بأنها "عودة آمنة لشباب المصريين في الخارج من أجل حوار حقيقي ومشاركة فعالة في الحوار الوطني"، وأشارت إلى أن هدفها "فتح قنوات التواصل مع المصريين، وفرصة جيدة لتوسيع دائرة عودة من سافر وترك الوطن ويخشى العودة، والعمل على الحد من معاناة الكثيرين من المصريين وأسرهم".

وفي إطار بيانها للأسباب التي دعت المصريين إلى السفر، أشارت المبادرة على لسان محمد السادات، الذي عرفته بأنه المنسق العام لها، إلى أن "بعض المصريين توجهوا إلى دول مختلفة على خلفية التخوفات والإشاعات بإلقاء القبض عليهم أو الاحتجاز؛ على خلفية نشاط سياسي أو انتماء لتنظيمات سياسية/ مدنية أو العمل في وسائل الإعلام والصحافة، أو المدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في منظمات حقوقية داخل وخارج مصر، مما تسبب في خلق خالة من الاحتقان لديهم ترتب عليها القيام بدون قصد بالإساءة لصورة الدولة المصرية من الخارج والتخوف من العودة".

وجاءت بنود المبادرة واشتراطاتها لتعبر أوضح تعبير عن مدى أهمية وجدية وجودة وصلاحية هذه المبادرة، ولك أن تصفها بكل الصفات التي تراها مناسبة في هذا الإطار؛ حيث أكدت أنها تستهدف أي مصري مقيم في الخارج يود الرجوع إلى أرض الوطن بشرط:

أولا: ألا يكون صادرا ضده أحكام قضائية أو ثبت تورطه في قضايا عنف وتحريض.

ثانيا: لم يثبت انتماؤه لجماعات أو تنظيمات إرهابية محظورة وفق القوانين ذات الصلة.

أخير: أن تكون عودته مشروطه بعدم مخالفته القوانين والتشريعات الوطنية ودستور البلاد، في حال الرجوع لممارسة العمل السياسي أو أي نشاط اجتماعي أو مدني.

ورفعت المبادرة شعارا (مثلما يفعل أصحاب الأكشاك المخالفة والمباني غير المرخصة لافتة بصورة المسؤولين)؛ أن هذه المبادرة تلقى الترحيب من مؤسسات الدولة المختلفة في أجواء دعوة الرئيس للحوار الوطني والطريق نحو الجمهورية الجديدة. وقد حددت المبادرة الوثائق المطلوبة للتواصل، ووضعت شرطا أيضا بأن إرسال البيانات في موعد أقصاه أسبوعين من تاريخه.
الشروط التي وضعتها المبادرة هي ذاتها الشروط الموضوعة للعفو عن المساجين، وهي ذاتها الشروط التي يرددها النظام لمن يريد أن ينخرط في العمل السياسي في الداخل المصري، وبالتالي فإن أي حراك سياسي سواء محلي أو إقليمي أو دولي لن يخرج عن هذا الإطار

لا يمكن التفاعل مع مثل هذه الحالة التي في أقصى تقدير لها هي بمثابة جس نبض للتعاطي مع مبادرات أو حلول للنظام من مثل هذا الوجه، خصوصا وأن المبادرة وضعت لنفسها إطارا زمنيا لا يتجاوز خمسة عشر يوما، أي أن المبادرة بعد هذا التاريخ لن تكون ذات فعالية.

فنظام الثالث من تموز/ يوليو يريد نتيجة واضحة في مدة زمنية مقررة، وهو هنا يسعى لقياس ردود الفعل حول مثل هذه المبادرات وما المدى الذي يمكن للمصريين في الخارج أن يذهبوا إليه في طرح مثل هذه المبادرات. فالشروط التي وضعتها المبادرة هي ذاتها الشروط الموضوعة للعفو عن المساجين، وهي ذاتها الشروط التي يرددها النظام لمن يريد أن ينخرط في العمل السياسي في الداخل المصري، وبالتالي فإن أي حراك سياسي سواء محلي أو إقليمي أو دولي لن يخرج عن هذا الإطار، وهو إطار محكوم عليه بالفشل خصوصا وأن البيئة السياسية المصرية كما هي، فبقاء المنقلب على رأس النظام هو الحائل الأساسي أمام نجاح أي تحرك من هذا النوع.

وكما ذكر الأستاذ سليم عزوز، فمثل هذه المبادرات والدعوات ليست جديدة على الساحة المصرية، فقد طرحها مبارك من قبل وقد لاقت نجاحا لأنها شهدت متغيرا مركزيا تمثل في غياب السبب الرئيسي في خروج المصريين وهو الرئيس السادات، أي أن مثل هذه المبادرات لتنجح تحتاج لغياب المنقلب الحالي الذي بوجوده لن يكون لمثل هذه المبادرة أو لغيرها أي نجاح يذكر.

السلطة الحالية تدرك التصور السابق جيدا، ولذلك فهي تحرص على تعقيد المشهد والبقاء في هذا المربع وعدم مغادرته حتى لا تسمح بطرح مثل هذه الفكرة. ولذلك فهناك حالة من التناقض بين الإعلاميين الممثلين لأجهزة الأمن في التفاعل مع المبادرة ما بين التأييد والرفض، وهو ما يؤكد على أن طرح مثل هذه المبادرات لمجرد كسب الوقت أو تبييض الوجه القبيح لذلك النظام قبيل قمة المناخ، وخلق صورة إيجابية مزيفة أمام في الداخل والخارج، وصناعة حالة من الحراك السياسي الكاذب حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة، أو أن يتم طرح أفكار ورؤى غير تلك التي يراها النظام الحالي، الذي صار عنوانا على الفاشية والفساد والفشل.

twitter.com/Saif_abdelfatah