مقالات مختارة

اطلبوا الصلح ولو في الصين

.
لأكثر من ثمانين عاما ومعظم القيادات العربية تتطلع الى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص والدول الغربية بشكل عام لحل مشاكلها السياسية والاقتصادية والأمنية ومن الذاكرة استدعي خطاب أنور السادات الجماهيري في عشية زيارته للقدس المحتل عام 1977 القائل ان 99% من حل قضايانا في الشرق الأوسط بيد أمريكا.

(2)
منذ ذلك الزمان وقضايا الشرق الأوسط تزداد سوءا وتتسع دائرتها الجغرافية وإسرائيل تتوسع وتقضم الأرض الفلسطينية شبرا شبرا والحل الأمريكي المنتظر لم ير النور، بل على النقيض من ذلك احتلت أمريكا العراق عام 2003 وسيدت الطائفية على اهل العراق بموجب دستور صاغته قوى الاحتلال، ولم تحمِ حدود السعودية والامارات من الصواريخ والطائرات المسيرة الحوثية عبر الحدود اليمنية السعودية او أي جهة أخرى، وكان موكولا اليها بموجب اتفاقيات معلنة حماية المنطقة من أي عدوان خارجي.
الإدارة السياسية في الولايات المتحدة الامريكية تمنع تزويد حلفائها الخليجيين بأسلحة متطورة في الوقت الذي تزود إسرائيل بكل أسلحة متطورة في خزائنها الاستراتيجية بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل.
(3)


لقد أدركت القيادات السياسية الشابة في دول مجلس التعاون الخليجي بأن المراهنة على أمريكا في حمايتهم أو معاونتها لحماية انفسهم من أي قوة باغية أمر لم يعد مجديا بناء على تجارب واقعية فراحوا يبحثون عن سند دولي يعينهم دون ابتزاز او تدخل في شؤونهم الداخلية. فوجهوا وجوههم نحو الشرق فكانت الصين. راحوا ينشدون الحكمة والقوة الصينية لمد يد العون في مواجهة أزمات الخليج العربي فكانت الشريك المعين بلا منة أو ابتزاز وهكذ حدث الاتفاق السعودي الإيراني في الصين بعودة العلاقات والتعهد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي منهما.
يجدر بنا التذكير بان العلاقات السعودية الصينية تعود الى عام 1988 عندما عقدت الحكومة السعودية صفقة لشراء صواريخ رياح الشرق من الصين علما بانه لا يوجد بين الصين والسعودية أي تبادل تمثيل دبلوماسي في ذلك الزمان، وعبرت الإدارة الامريكية عن امتعاضها لذلك الاجراء الى الحد الذي عبر فيه الناطق باسم الخارجية الامريكية في حينه تشارلز ردمان بالقول « ان حصول السعودية على تلك الصواريخ لا يخدم قضايا السلام والاستقرار في المنطقة «.
في ديسمبر 2022 عقدت في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية اول قمة خليجية صينية وكذلك اول قمة عربية صينية وكان لها اثار إيجابية كبيرة. الرأي عندي ان الإدارة الامريكية لم تكن مسرورة بتلك القمتين وما نتج عنهما من قرارات. واللافت في نتائج تلك القمتين ان المملكة السعودية ايدت في بيانها الختامي موقف الصين الشعبية الداعي الى « الصين الموحدة « وذلك إشارة الى جزيرة تايوان التي تطالب الصين بضمها الى السيادة الصينية. وهذا لا شك لم يكن مرضيا للإدارة الامريكية.
المعروف ان التبادل التجاري بين الصين والسعودية بلغ 1.2 تريليون دولار امريكي خلال الخمس السنوات الماضية وان السعودية تصدر مليونا و800 الف برميل بترول يوميا وهذا دليل على متانة العلاقات الاقتصادية بين الدولتين.
(4)
في العاشر من شهر مارس الجاري عقد اجتماع في العاصمة الصينية بكين/ بيجين شارك فيه مساعد محمد العيبان مستشار الامن الوطني السعودي، وكذلك الادميرال على شمخاني امين المجلس الأعلى للامن القومي الايراني كانت نتيجته اعلان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين ــ التي قطعت عام 2016 بسبب العدوان على السفارة السعودية في طهران ـــ والعمل على استقرار المنطقة. على ان يجتمع وزيرا خارجية السعودية وايران في خلال شهرين لتفعيل ما اتفق عليه وخاصة فيما يتعلق بترتيب إعادة السفراء ومناقشة سبل تعزيز العلاقات الثنائية. الملاحظ ان اجتماع العاصمة الصينية بين السعودية وايران كان على مستوى قيادات امنية وليس سياسية وفي تقدير الكاتب ان المواضيع الأمنية وخاصة ما يتعلق بالحرب في اليمن، والصواريخ الإيرانية وكذلك المسيرات الجوية بدون طيار الى جانب مشروع التسلح النووي والميليشيات المسلحة المنتشرة في سورية والعراق ولبنان واليمن والتهديد بالتدخل في الشؤن الداخلية لبعض الدول تحت شعار « حماية المستضعفين/ المظلومين! « هذه قضايا يناقشها رجال أمن ومن ثم يأتي رجال السياسة والقانون لوضع ما توصل اليه الامنيون في اطاره السياسي والقانوني ومن ثم ابرامه في شكل معاهدة او اتفاقية واعتمادها في كل دولة حسب النظم الدستورية للبلاد (مجلس شورى، او برلمان) ومن ثم تكون ملزمة لاطراف الاتفاق.

(5)
لن تجد القيادة السعودية صعوبة في تنفيذ كل ما اتفق عليه مع ايران ولكن يثور الجدل حول ايران هل ستلتزم بتعهداتها؟ ايران يوجد بها مؤسسات متعددة لها اراء مختلفة وتصورات سياسية متعددة فمثلا، الحرس الثوري سلطة، والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية سلطة، ورئاسة الجمهورية سلطة، وفوق هذا وذاك سلطة البرلمان فهل ستتفق كل هذه السلطات لتنفيذ ما اتفق علية في بكين / بيجين؟ بكل صدق ؟ في اعتقادي ان الامر ليس بهذه السهولة في ايران والدليل على ذلك المفاوضات المتعثرة بين ايران و (5+ا) بشأن المشروع النووي الإيراني وتخصيب اليورانيوم بنسبة محددة.
آخر القول: سنتان تقريبا جرت مفاوضات سرا وعلانية بين السعودية وإيران تارة في بغداد وأخرى في مسقط، وكانت مفاوضات غير مخصبة وحسنا فعلت السعودية اذ انتبذت بالمفاوضات مكانا قصيا فراحت تطلب الحل الفعال من الصين كقوة ضامنة وشاهدة وكان لها ما أرادت.
(الشرق القطرية)