قضايا وآراء

كيف ستؤثر الحرب الأوكرانية والمصالحة السعودية-الإيرانية على مستقبل إسرائيل؟

جيتي
دفعت الأحداث الأخيرة التي تشهدها إسرائيل على المستوى الداخلي وانعكاساتها على المستوى الخارجي إلى ظهور سؤال جوهري، يتعلق بمستقبل إسرائيل في ظل حكومة يمينية متطرفة. في الحقيقية يرتبط الجواب على هذا السؤال بالعديد من المحاور والمتغيرات الدولية والإقليمية؛ كل منها يساهم بشكل منفصل في الإجابة على هذا السؤال.

المتغيرات الدولية وتأثيرها على مستقبل إسرائيل

دعونا نبدأ من المتغير الدولي، لعل أهم الأحداث التي تؤثر في مستقبل الاحتلال هو الحرب الروسية الأوكرانية. إن اصطفاف إسرائيل في المعسكر الغربي يمنعها من اتخاذ موقف الحياد في هذه الحرب التي شكلت نقطة تحول تاريخية في العلاقات الروسية- الإسرائيلية، منذ قطع العلاقات في 1953 نتيجة إحراق الإسرائيليين للسفارة السوفيتية في تل أبيب، وذلك بسبب تزايد الكراهية للسوفييت والاستدارة الإسرائيلية الكاملة نحو الولايات المتحدة كمظلة أمنية لها.

وبعد القطيعة الثانية (أي بعد حرب حزيران/ يونيو 1967)، بدأت علائم الشراكة الاستراتيجية بالظهور. لقد تغاضت روسيا عن الضربات الإسرائيلية في سوريا بشكل متعمد، على الرغم من أن هذه الهجمات أضرت بمصالحها ومشروعها الاستراتيجي في سوريا، ولكن تدخل إسرائيل في الحرب الأوكرانية والحديث عن تقديم مساعدات مالية وعسكرية للرئيس الأوكراني زيلنسكي دفع بهذه العلاقة إلى التوتر. لقد وصلت مرحلة التوتر إلى درجة بأنّ التحذير من هجمات إسرائيلية ضد دمشق لم يأت عبر القناة الروسية، بل عبر القناة الأوروبية إلى العراق لإرساله لإيران لمنع التصعيد بين إيران وإسرائيل (بحسب علي رضا عزيزي).

من جهة أخرى ولتعويض النقص الحاصل في الدفاعات الجوية نتيجة سحب الروس لمنظومات أس 300 من سوريا لاستخدامها في الحرب الأوكرانية، صرحت إيران بنيتها تسليم منظومة خرداد 15 للقوات السورية للتصدي للهجمات الإسرائيلية، ويبدو أنّ تسليم هذه الأسلحة سيتم بمباركة روسية. لا يمكن لأحد أن ينكر أن إسرائيل لا تزال تقوم بهجمات جوية ضد سوريا، خصوصا الهجمات الأخيرة على مطار حلب، ولكن يبدو أنّ هذه الهجمات هي لعرقلة وصول منظومات الدفاع الجوي إلى سوريا. في هذا الملف، يبدو أنّ توتر العلاقات الروسية الإسرائيلية سوف يعطي لطهران ودمشق الضوء الأخضر للرد على الهجمات الإسرائيلية، وهو ما يتم التحضير له في الخفاء والعلن من قبل إيران وسوريا.

المصالحة السعودية- الإيرانية رصاصة الرحمة على التطبيع مع إسرائيل

على المستوى الإقليمي، لا ينبغي ولا يمكن إنكار أثر الزلزال السياسي التاريخي الذي حصل بعد المصالحة السعودية- الإيرانية على مستقبل إسرائيل. اتبعت الولايات المتحدة خطة معقدة لتعويم تل أبيب في منطقة الشرق الأوسط. الخطة بدأها الرئيس السابق ترامب عبر خروجه من الاتفاق النووي الإيراني، الذي تمنع بنوده طهران من امتلاك قنبلة نووية، ثم بدأت الولايات المتحدة الترويج لنظرية المؤامرة، التي تقوم على أنّ العدو الأول هي إيران وليست إسرائيل، وأن إيران تشكل تهديدا وجوديا للدول العربية. ومن ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي دفع الدول العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

بالفعل نجحت الولايات المتحدة في دفع بعض الدول العربية نحو التطبيع مع إسرائيل، إلا أن هذا القطار قوبل بفيتو سعودي، حيث شهدت السعودية تحولات عميقة على مستوى السياسات الخارجية، وهي محاولة إقامة توازن بين الأقطاب، ونقصد هنا المحور الغربي (المتمثل بأوروبا والولايات المتحدة) والمحور الشرقي (المتمثل بروسيا والصين). ولذلك كان لا بد من مراجعة السياسة الخارجية بشكل شامل وإعادة ترتيب الأوراق على المستوى الإقليمي، وتقييم المنافع والخسائر من تطبيع العلاقة مع إسرائيل، أو من خلال إعادة العلاقات مع طهران. وعليه فقد اختارت الرياض إعادة العلاقات مع طهران، وذلك لرفضها الانخراط في أي عمل عسكري مستقبلي ضد طهران، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، وذلك لأن الرياض ستتضرر من هذه الحرب بشكل مباشر.

على مستوى موازٍ، يبدو أن العلاقات بين إسرائيل والدول العربية التي تربطها علاقات مع إسرائيل تتجه نحو التوتر، وذلك بسبب السياسات العنصرية والتوسعية. فالإمارات التي بنت كنيسين يهوديين في الأمس، ها هي تدرس تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل، وتوجه سفارتها بعدم استقبال أي من الوزراء الإسرائيليين الضالعين في العمليات العنصرية وتصعيد الأجواء في الأراضي المحتلة.

من جهته، فإن الأردن وصل إلى قناعة شبه تامة بأنّ المحتل الإسرائيلي لا يغير في سلوكه، بل يتجه إلى الأسوأ، خصوصا بأن إسرائيل ووزراءها العنصريين ضربوا بنتائج قمة العقبة عرض الحائط، وبات واضحا للعيان أنّ إسرائيل لا ترغب بعملية سلام مستقرة، بل هي تسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية على المستوى الأول، ومن ثم احتلال الأراضي العربية طبق الخريطة الإسرائيلية المزعومة. وأقوى الأدلة على ذلك، هي الخريطة التي تضم الأردن إلى إسرائيل خلال مؤتمر وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش.

أخيرا، جاهلٌ من يعتقد بأنّ الظروف الإقليمية والدولية لا تؤثر على مستقبل إسرائيل وسياساتها الداخلية والخارجية؛ لأن هذه الظروف تساهم بشكل فعال اليوم في تغيير شكل علاقاتها الخارجية وقدرتها الدفاعية. ما ينبغي على الدول العربية وفصائل المقاومة الفلسطينية فعله، هو التحضر لما هو قادم، خصوصا أن المواجهة العسكرية قد تكون الخيار الوحيد للتعامل مع التهديدات الإسرائيلية، سواء على المستوى الإقليمي أو المستوى الداخلي في الأراضي المحتلة.