كتب

هل تنطبق الشعبوية على خطاب عبد الإله بنكيران السياسي؟

أطروحة دكتوراه لفهم طبيعة الخطاب عند رموز الإسلام السياسي في العالم العربي.. بنكيران نموذجا
الكتاب: "الخطابة السياسية الشعبوية عند عبد الإله بنكيران"
الكاتب: محمد الأمين مشبال
تقديم: عبد القادر الشاوي
الناشر: منشورات باب الحكمة، تطوان- المغرب
الطبعة الأولى 2022


مقدمة:

ثمة مفارقة كبيرة يمكن تسجيلها بخصوص دراسة الخطاب السياسي، ففي الوقت الذي تواترت فيه الدراسات السياسية والإعلامية للخطاب السياسي في الدول الغربية، يلاحظ ندرة كبيرة في المجال العربي، يعزى في الغالب إلى انعكاس انسداد النسق السياسي على الحالة البحثية، والحساسية السياسية التي تثيرها دراسة متن الخطاب السياسي للحكام، أو تراجع الزعامات السياسية في العالم العربي، وعدم تبلور المكونات التي تجعل من خطاب النخب السياسي مادة قابلة للبحث.

في الحالة المغربية، تكسرت هذه القيود مؤخرا، بفعل الحالة الفريدة التي أدارت بها الدولة الموقف من الربيع العربي، وما نتج عن ذلك من صعود الإسلاميين، وبروز حالة من السجال السياسي، ساهمت في إعطاء زخم للسياسة، وأنتجت حالة فرز فكرية وسياسية، كان الخطاب السياسي حاسما في تحديد تموقعاتها وتعزيز مواقفها، واستأثر الاهتمام أكثر بخطاب زعيم الإسلاميين، عبد الإله بنكيران، بوصفة حالة تجبر البحث العلمي  لدراستها وتصنيفها، بحكم التأثير الواسع لهذا الخطاب، وقدرته على حشد جمهور واسع وراءه، لا يشمل فقط متوسطي الثقافة، بل يشمل أيضا النخب المثقفة والنخب العالمة.

وقد باشرت عدد من الدراسات الأكاديمية دراسة هذا الخطاب، وبحث مكوناته، الدينية والسياسية واللغوية، والسردية والحكواتية، ودارسة خواصه التواصلية، بينما مالت أخرى إلى تصنيفه، ومحاولة دراسته وفقا لذلك.

ويندرج الكتاب الذي بين أيدنا ضمن هذه الجهود، وهو بالمناسبة أطروحة تقدم بها محمد الأمين مشبال لنيل شهادة الدكتوراه، خصص موضوعها للخطابة السياسية للأستاذ عبد الإله بنكيران خلال الفترة الممتدة ما بين 2011 و2017. وكان قصد الأطروحة كما صرح بذلك صاحبها في المقدمة هو تحليل تجليات الشعبوية والاستراتيجيات الخطابية التي اعتمدها عبد الإله بنكيران للتأثير في الجمهور بغية الوصول إلى تعاطفه والتصويت على مرشحي حزب العدالة والتنمية.

يكشف الباحث عن ثلاث أسباب أساسية جعلته يفرد بالبحث الظاهرة الشعبوية في خطاب عبد الإله بنكيران السياسي، يتعلق أولها بمنتج الخطاب (عبد الإله بنكيران) والظاهرة الفريدة التي مثلها في الحياة السياسية المغربية، والتي أثارت الجدل إبان رئاسته للحكومة، والحضور الإعلامي المميز الذي اكتسبه لدى الرأي العام المغربي. وأما الثاني، فهو مزاوجته بين خطاب للمظلومية أكسبه عطف الجمهور، وانتهاجه سياسة "نيوليبرالية" تضر بمصالح الطبقات الوسطى والدنيا في المجتمع. وأما السبب الثالث، فيتعلق، بانتساب عبد الإله بنكيران لتيار الإسلام السياسي، وما يرمز له دراسة خطابه، من محاولة لفهم الأشكال التواصلية التي يعتمدها هذا التيار لبسط هيمنته على مناحي المجتمع المغربي، وكيف يفرض نظرته للدين والثقافة ويتغلغل في مختلف مؤسسات المجتمع والدولة.

في أطروحة الكتاب

ينطلق الكتاب من فرضة أساسية، يعتبر فيها الباحث أن الشعبوية باعتبارها أسلوبا سياسيا تمثل السمة المهيمنة على الخطاب السياسي لعبد الإله بنكيران، وأنه، يتميز في إنتاج خطابه التواصلي عن الشعبويات الأوروبية واللاتينية، بكونه يتغذى ويتلون بالمرجعية الإسلامية وبالخطاب الوعظي.

ينطلق الباحث من فرضة أخرى تبعية، تقر بوجود حالة من الاستمرارية في خطاب عبد الإله بنكيران الشاب الداعية، وعبد الإله بنكيران القائد السياسي، وأن خطابه السياسي لم يعرف أي مراجعات فكرية عميقة، وأنه مخافة تعريض مشروعه للتشتت، فقد حرص على القيام بجراحة تجميلية لهذا الخطاب، بالابتعاد عن بعض المفاهيم المشوشة (من قبيل الحاكمية وتطبيق الحدود) والتركيز على العملية الانتخابية، والتغلغل في مؤسسات المجتمع والدولة.

حاول الباحث في كتابه أن يستعرض تاريخ حزب العدالة والتنمية وأهم المراجعات الفكرية والسياسية التي قام بها خاصة ما يتعلق بإقامة الدولة أو إقامة الحكم الإسلامي، وقضية تطبيق الشريعة، والحاكمية لله، كما توقف عند جهود بعض منظري الحركة للتأصيل للمشاركة السياسية (سعد الدين العثماني) والجهود التي بذلت لمراجعة خطاب الحركة الإسلامية حول الحاكمية والشورى والديمقراطية،
كما تناول الباحث ضمن فرضياته قضية العفوية والقصد في شعبوية عبد الإله بنكيران، وفضل أن يعتمد فرضية مزدوجة، تعتبر خطابته الشعبوية عفوية من جهة، ومدروسة من جهة أخرى، وأن اعتمادها على دارجة قريبة من الفصحى، وأيضا توسلها بتقنية المحكي الدرامي منح هذه الخطابة فرادتها وقوتها وتأثيرها.

وقد قسم كتابه لبابين، ركز في الأول على مفهوم الشعبوية (الفصل الأول) وعلى تجربة العدالة والتنمية ومساره الفكري والسياسي (الفصل الثاني)، فيما خصص الباب الثاني، لتحليل الاستراتيجيات الخطابية المتضمنة في خطب عبد الإله بنكيران بين 2011 إلى 2017، إذ تناول في هذا الباب صفات الخطيب والتجليات المختلفة لذاته.

(الفصل الأول)، كما ركز في الفصل الثاني على صورة وصفات الخصم في هذا الخطاب الشعبوي.
الشعبوية.. في المفهوم وخصائص الخطاب

حرص الباحث ضمن مقدماته المفاهيمية أن يقدم لمحة عن ظهور الظاهرة الشعبوية في الخطاب السياسي، محاولا ضبط لحظة بروزها (روسيا ثم أمريكا)، ومسار تشكل خطابها مع التجربة اللاتينية، ثم التجربة الأوربية، محاولا استعراض العوامل التي ساهمت في تقدم التيارات الشعبوية انتخابيا، وحاول أن يعرض المفاهيم التي أضفتها الدراسات الأكاديمية على الشعبوية، وسجل إكراها بحثيا يتعلق بندرة المنظرين للشعبوية، مما دفعه إلى الاكتفاء بتعريف أهم الدارسين لهذه الظاهرة، فعرض لتعريف ألكسندر درونا الذي يرى الشعبوية تعبيرا عن خيبة الأمل في النموذج السياسي الديمقراطي حينما لا تستجيب الديمقراطية للتطلعات العميقة للجماهير بسبب التفاوت الحاصل بين خطاب الحاكمين والواقع المعيش، ويعتبر الشعبوية حالة من شخصنة الحركة والالتفاف حول الزعيم، الذي يتجاوز النخب الفاسدة، ويمثل حركية تطلعات الجماهير الواسعة، ويضطلع بمهمة القطيعة مع النظام الحاكم، ويستعمل الأسلوب الحماسي العاطفي لجدب الجمهور حوله.

كما عرض لتعريف بيير غاييف للشعبوية باعتبارها مشروع زعيم يحمل ثنائية متقابلة، تجمع بين ديماغوجيا صاحب أفكار محدودة، وطموحات لا متناهية، وشعب غاضب لم يعد يؤمن بالنظام الليبرالي ومستعد للخضوع لزعيم ذي كاريزما مرشح أن يكون ديكتاتورا بعد الفوز بالسلطة.

ويرفض أرنستو لاكلو ربط الشعبوية ببينة طبقية أو اجتماعية، ويرى أنها لا تتمثل في إيديولوجية خاصة بالفلاحين أو الطبقة العاملة، كما يرفض اعتبار الشعبوية مجرد تعبير رافض للتحديث، بل يعتبرها منطلقا سياسيا يساهم في خلق الهوية الجماعية بالارتكاز على التناقض بين القمة والقاعدة وما بين الشعب والنخب، وما بين لجماهير المعبئة وما بين المؤسسات الرسمية الجامدة.

أما جان وارنر مولر فيعتبر الشعبوية-إضافة لكونها رفضا للمؤسسات ومعاداة للنخب-مجافية للتعدد، إد تقدم نفسها باعتبارها الممثل الوحيد للشعب، فهو يرى أن الشعبوية هي تصور سياسي محدد يرى وجود تعارض دائم بين نخب أخلاقية وفاسدة وطفيلية مقابل شعب أخلاقي طاهر.

 يستأنس البحث بهذه التعاريف المحدودة، ويحاول استعراض خصائص الخطاب الشعبوية، ليجعل من ذلك مرجعيته الأكاديمية لدراسة خطاب عبد الإله بنكيران، وما إذا كان ستجيب لهذه المفاهيم والخصوصيات الخطابية أم يبتعد عنها؟

لا يقدم الكاتب تحديدات مفاهيمية كثيفة عند عرضه لخصائص الخطاب الشعبوي، بل يركز على العناصر الأربع التي ساقها بارتيك شارودو للخطاب الشعبوي، وكونه يركز على الوضعية الاقتصادية (وضعية الأزمة)، ويشيطن الخصم (الشر ومصدره) ويرتكز على القيم التي تمثل المشروع المجتمعي الذي يدعو إليها الشعبوي (تمجيد القيم) ويقوم في مقابل الهجوم على النخب بتمجيد الشعب (تمجيد الشعب).

أما بالنسبة للزعيم الشعبوي، فقد استعرض الكاتب بعض خصائص الشعبوية، كما ارتسمت عند تيار اليمين الفرنسي، وحاول أن يجعل منها مرجعية لدراسة خصائص الزعيم الشعبوية الخطابية، فذكر من هذه الخصائص  عشرة خصائص:  فالزعيم الشعبوي، يتحدث بلغة بسيطة تخلو عموما من المصطلحات التقنية،  ويتحدث بمنطق خطابي متصف بالحكمة والإرادوية، ويميل إلى استعمال حجج ملموسة وبراغماتية، ويقوم بنقد مستمر للنخب مع تصدر أناه في الخطاب، ويستعمل الأسلوب البلاغي بشكل كثيف، ويميل إلى إنتاج أسلوب صريح بعيد عن لغة الخشب، ويقدم الاختيارات والرهانات السياسية بشكل درامي ومسرحي، ويؤكد دائما على نزاهته الشخصية وقربه من المواطنين، ويثر الأساطير المؤسسة والصور الشعبية.

هل تنطبق الشعبوية مفهوما وخطابة على عبد الإله بنكيران؟

حاول الباحث في  كتابه أن يستعرض تاريخ  حزب العدالة والتنمية  وأهم المراجعات الفكرية والسياسية التي قام بها خاصة ما يتعلق بإقامة الدولة أو إقامة الحكم الإسلامي، وقضية تطبيق الشريعة، والحاكمية لله، كما توقف عند جهود بعض منظري الحركة للتأصيل للمشاركة السياسية (سعد الدين العثماني) والجهود التي بذلت لمراجعة خطاب الحركة الإسلامية حول الحاكمية والشورى والديمقراطية، فضلا عن المراجعات التي قام بها منظرو الحركة للاندماج في النسق السياسي، بما في ذلك موقفهم من الملكية ومن إمارة المؤمنين، ونبذ العمل السري،  واستعرض أهم الخطوات التي دشنتها الحركة لنيل الشرعية السياسية، والتطبيع مع النظام القائم، وحيثيات تأسيس إطارها السياسي، وأهم المبادئ التي ارتكزت إليها في تأطير العمل السياسي ضمن النظام القائم (الإسلام، نبذ العنف، الدفاع عن الوحدة الترابية، القبول بالديمقراطية وحقوق الإنسان)، واستعرض تجربة المشاركة السياسية لحزب العدالة والتنمية، إلى أن حقق صعوده الانتخابي سنة 2011 وتصدر المشهد السياسي، وقاد تجربة حكومية لفترتين متتاليتين، مع التوقف عند معالم الأزمة التي عاشها الحزب عقب إعفاء عبد الإله بنكيران من رئاسة الحكومة.

والواقع، أن القسم الأول من الكتاب لم يكن سوى مقدمات نظرية للقسم الثاني، الذي خصصه لاختبار أطروحته، أي مدى انسحاب الخصائص الخطابية الشعبوية على خطاب عبد الإله بنكيران، إذ حاول في هذا الإطار الاستعانة بجملة خطب وكلمات ألقاها عبد الإله بنكيران في مناسبات متعددة، وعلى مدى زمني ممتد لسبع سنوات، أي من سنة 2011 إلى سنة 2017، فحاول في الفصل الأول من هذا القسم استقصاء الصفات التي شكل بها عبد الإله بنكيران صورته،  لممارسة الإقناع والتأثير على جمهوره، فساق بهذا الخصوص جملة مقاطع من كلماته، ليخلص إلى  أنه حاول أن يكرس صورة الزاهد، المعتد بنفسه (تضخم حضور الأنا في خطابه) والمتحمل للمسؤولية (زهده لا يعني تملصه من تحمل المسؤولية)، وصاحب الشعبية الذي يقبل عليه الناس ويحبون سماع كلماته ويعتبرونه صادقا (يدرج مختلف الصفات التي تؤكد أن يحظى بشعبية، من قبيل كونه رجل دولة، ويمتلك الجرأة على اتخاذ القرار،  ويتميز بالزهد، والقرب من المواطنين البسطاء)، كما يكرس صورته كزعيم ديني، يوظف الخطاب الديني والوعظي بكثافة، فيرسم عن نفسه صورة المتكل على الله الذي يجعل قصده وقصد حركته وحزبه نيل الجنة، وليس تحقيق أهداف سياسية.

أما بالنسبة إلى اللغة التي يستعملها، فهو يختار العامية وسيلة للتخاطب، ويستعمل عامية قريبة للغة العربية يفهمها الجميع، وتحضر السمة الحسية في لغته، مما يضفي على أسلوبه حيوية كبيرة تمكنه من بلوغ عقل وجدان الجمهور، كما يقحم في لغته وأسلوبه جملة من الأسئلة البلاغية، فيقوم بتوجيه الأسئلة إلى جمهوره وخصومه يكون لها أثر كبير في إقناع جمهوره وجدبهم وتعميق صلتهم به.

كما يعتمد في أسلوبه التكرار بما يسمح له بترسيخ ألفاظ أو أفكار أو معنى يريد إيصاله لجمهوره، ويميل دائما إلى الفكاهة، فيظهر في صورة شخص مرح يحول المناسبات والقضايا السياسية الجادة إلى مادة هزلية مفارقة تثير الضحك.

ويشير الباحث في سياق تحليله للأسلوب الخطابي لعبد الإله بنكيران إلى البعد الثقافي في هذا الأسلوب، فيشير إلى كثافة حضور الأمثال الشعبية فيه، فضلا عن استدلاله بالشعر العربي، وحرصه على أن تتضمن خطبه استشهادات بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تكرس صورة المرجعية الدينية والفكرية التي ينطلق منها، كما يعتمد المحكي الدرامي ويستثمره بشكل ذكي في أسلوبه الخطابي. إذ يعمد إلى ذكر أحداث وشخصيات ورهانات سياسية دون أن يفصح بشكل مباشر عن فحوى الرسالة المقصودة من حكيه الدرامي تاركا للجمهور أمر التقاطها وفهمها.



كما حرص الباحث أن يدرس الصورة التي رسمها عبد الإله بنكيران عن نفسه في علاقته بحركته، ودوره المحوري وبطولته في جميع المحطات السياسية للحزب، وذلك حتى يثبت لنفسه الدور الأساسي في ميلاد الحركة الإسلامية وفي تدشين تحولاتها وترسيم مشروعها السياسية، وفي الانتصارات الانتخابية التي حققتها، كما يرسم صورة البطل المقتحم الذي اضطلع بمهمات مواجهة التحديات والأخطار التي استهدفت الحركة الإسلامية، وأنه بفضل مساهمته وآرائه وصلت الحركة إلى ما وصلت إليه.

وفيما يخص موقع الخصوم في خطابه السياسي، فقد حاول الباحث أن يستقرئ بعض كلمات عبد الإله بنكيران، ليخلص منها إلى الصفات التي يريد بنكيران ترسيخها رفي ذهن الجمهور عن خصومه، وكيف يجعل من مظلومية حزبه وخضوعه لمؤامرات الخصوم قاعدته في خطاب السياسي.  وتبعا لهذا الاستنتاج يرى الكاتب أن ابن كيران يحاول تكريس صورة عن الخصم الذي يكذب على الشعب، ويشتري الذمم، فيميل أحيانا إلى تشبيه الخصوم بالحيوانات (التماسيح والعفاريت) أو الكراكيز للإحالة على توجيههم عن بعد، كما يعمد في أسلوبه إلى السخرية والتفشي والتشهير، والتقليل من الخصم، والتنديد بالواقع.

وهكذا يخلص الباحث إلى أن الخصائص الأسلوبية والخطابية لعبد الإله بنكيران، يجعله يمثل نموذجا للشعبوية في الخطاب السياسي، كما ارتمست محدداتها وصفاتها وعناصرها في المقدمات النظرية التي ساقها في الفصل الأول من كتابه.

ملاحظات منهجية

الواقع، أن الفرضية التي وضعها الباحث تستحق البحث، كما أن هناك جهدا معتبرا في استقراء خطابات عبد الإله بنكيران وتجميع كلماته، ومحاولة دراسة خصائصها الأسلوبية، بناء على المرجعية التي تبناها الباحث عند استقراء خصائص الخطابة الشعبوية كما ارتسمت في الأدبيات الأكاديمية، لكن، ذلك لا يمنع من تسجيل أربع ملاحظات مركزية:

1 ـ تهم الأولى البناء النظري، فالباحث بذل جهدا في الاقتراب من مفهوم الظاهرة الشعبوية باستقراء بعض الأدبيات الأكاديمية، لكن الجهد الذي قام به، على محدوديته وضعف الإحاطة فيه، اقتصر على ذكر أدبيات حاولت تحليل بعض الظواهر الخطابية لبعض القوى أو الزعماء المحسوبين على الظاهرة الشعبوية، حتى بدا المفهوم الذي انتهى إلى تبنيه أشبه ما يكون بتمثيل الظاهرة اليمينية في أوربا وتحديدا في فرنسا، أكثر منه تمثيلا للظاهرة الشعبوية.

ومما يثير الانتباه في التناول الأكاديمي للباحث، أنه حاول التعاطي مع الشعبوية كما ولو كانت مفهوما اكتسب هويته المفاهيمية في الأدبيات التنظيرية، مع أن هذا المفهوم، لا يزال أشبه ما يكون بتوصيفات فاقدة للماهية الدلالية، بل إنه أضحى المصطلح الذي يتم به التشهير بقوى سياسية، لم يتم الاجتهاد بعد في فهم دلالات توسعها الجماهيري ولا محددات نشأتها، إذ في الغاب عند الحديث عن الحركات أو الزعمات الشعبوية، ما يتم التمثيل بالحركات الراديكالية، مثل اليسار المتطرف، أو الحركات اليمينية الموسومة بالعنصرية أو القومية المتطرفة، أو الحركات الإسلامية، التي اكتسب بعض زعمائها شعبية كبيرة بعد الربيع العربي، فتشتغل الأحزاب التقليدية على إنتاج معجم اصطلاحي يصف هذه الحركات بأنها نتاج الأزمة، وأنها تبسيطية، لا تتبنى مشاريع وأفكار، بقدر ما تدغدغ العواطف، وأن الزعيم فيها، يميل إلى استخدام الأسلوب العاطفي، ويملك تأثيرا كبيرا على الجمهور، ويحسن استثمار التناقض والمفارقة بين التطلعات غير المحققة وبين الواقع المأزوم.

في الواقع، ليس ثمة تراكم أكاديمي تنظيري كاف، يمكن أن يصل حد التواطؤ على مفهوم محدد للشعبوية، فضلا عن تحديد حركات بعينها بكونها شعبوية، فبالأحرى، تحديد خصائص الزعيم الشعبوي، أو خصائص الخطاب الشعبوي.

ولذلك، ربما كان من شروط البحث العلمي في الموضوع، بذل جهد نظري كاف وطرح سؤال النقد على المفهوم ذاته، وعلى الظاهرة بعينها، فهذا وحده، يضع المسافة الضرورية بين البحث العلمي الذي يحاول فهم الظواهر، وبين الخطاب السياسي الذي تنتجه قوى سياسية، بقصد وصم هذا التيار أو ذاك. فلحد الآن، ورغم الجهود التي قام بها عدد من الباحثين لمقاربة الظاهرة الشعبوية، ليست هناك تحديدات علمية، يمكن الاطمئنان إليها، وهناك تداخلات عدة، يصعب معها فرز الظاهرة الشعبوية عن غيرها، فثمة من جهة خلط بين تيارات سياسية، تحمل إيديولوجية طبقية، وبين الشعبوية التي تعني في بعض دلالاتها المفهومية عدم وجود تموقعات اجتماعية أو طبقية، وهناك خلط واضح بين الزعيم الشعبوي وبين مفهوم الكاريزما، وقد وقع الباحث في هذا الخلط عندما استعار مفهوم ماكس فيبر للكاريزما، في معر ض الحديث عن الزعيم الشعبوي، مع أن الموضوعين مختلفان تماما.

2 ـ وتتعلق بالمنهج، فالجهد النظري الذي قام به الباحث في الإمساك بمفهوم الشعبوية لم يكن متناسبا مع الجهد المحدود الذي بذله في استقراء خصائص الخطاب الشعبوي، فقد بدا هذا المبحث أشبه ما يكون باستنتاجات فاقدة لأي سند علمي، مع أنها هي المعتمد في اختبار الفرضية، وهل تنسحب خطاب عبد الإله بنكيران هذه المواصفات، أم لا.

3 ـ وتتعلق بالمنهجية، وبشكل خاص طريقة التعامل مع المتن، أي مع خطابات عبد الإله بنكيران، فالباحث حدد خصائص الخطاب الشعبوي، وراح يبحث في خطابات عبد الإله بنكيران عنها، ليختبر فرضيته، مع أن البحث العلمي يقتضي جهدا أكبر من ذلك، فالخطاب الشعبوي له خصائصه التي تميز هويته، ولا يمكن أن يكون ضمن مشمولاته خواص أخرى مناقضة تخرج عن هويته، ومن ثمة فالبحث العلمي، لا ينبغي أن يبحث فقط عن التطابق، أي وجود مواصفات الخطاب الشعبوي في خطاب عبد الإله بنكيران، بل لا بد أن يتم البحث المعاكس، أي بحث الخطاب من زاوية وجود مواصفات تجعله يخرج عن الظاهرة الشعبوية، وهو ما لم يجتهد الباحث في بيانه، وهذا ما يجعل البحث المعني بالتصنيف أقرب إلى الإيديولوجية منه إلى البحث العلمي، فيكون كل هدف الباحث أن يصنف هذا الخطاب أو الزعيم في خانة معينة، مع أن البحث العلمي، يشترط ضرورة القيام بالمهمتين، أي إثبات ما ينتسب للظاهرة الشعبوية، وإثبات  ما يخرج عنها مما ليس من مواصفاتها، أو مما هو من نقائضها.

والأقرب إلى البحث العلمي، الذي يبعده عن التصنيف الإيديولوجي، أن تعرف الظاهرة الشعبوية بخواصها، وأن تعرف بنواقضها، وأن يدرس خطاب أي زعيم وفقا لهذه الثنائية، فيتم اختبار الفرضية من قاعدتها، لا من قاعدة بناء يتم اجتراحه بجهد أكاديمي محدود، مع عملية انتقاء تيسر الاستنتاج بواقع التطابق.

4 ـ وأما الملاحظة الرابعة، ففرعية، تتعلق باختبار الفرضيات، فالباحث  قدم فرضية تتعلق بعدم وجود قطيعة  بين خطابات عبد الإله بنكيران الشاب وعبد الإله بن كيران القائد السياسي، وأن الاستمرارية هي السمة التي غلبت خطابه، بما يعني التقليل من حدوث مراجعات فكرية في مساره، والواقع، أن الفترة التي جعلها الباحث مجالا ت زمنيا لدراسته، أي 2011، 2017، لا تساعده على اختيار هذه الفرضية، كما أن واقع اشتغاله على خطابات ابن كيران، أي الكلمات والخطابات ضمن هذه الفترة، لا تقدم أي  سند علمي يمكن الاطمئنان إليه لإثبات الاستمرارية أو القطيعة، وهو ما يعيب فرضيات البحث ويضعف صورته العلمية.