ملفات وتقارير

تقرير دولي: مصر تواجه أزمة اقتصادية قد تودي باستقرارها

طالب صندوق النقد أن تبطئ مصر مشاريع البنية التحتية لتخفيف الضغط على الحسابات الخارجية والتضخم
نشر موقع مجموعة الأزمات الدولية ومقرها بروكسل تقريرا، شارك فيه ريكاردو فابياني ومايكل وحيد حنا، قالا فيه إن مصر على الميزان، فهي تواجه أزمة اقتصادية، وقد تعرقل سياساتها المحلية والخارجية والاقتصادية، وتعمق خيبة الأمل العام، والتي قد تغذي حالة من عدم الاستقرار.

وكشفت الحرب في أوكرانيا عن اعتماد مصر على استيراد الوقود والطعام، والتي أصبحت مكلفة في وقت ازدادت فيه كلفة التمويل الأجنبي على المدى القصير. وأدى عدم التوازن هذا إلى تعويم العملة المصرية، وزيادة التضخم الذي ضرب الطبقة العاملة والمتوسطة. ومرت مصر بمصاعب اقتصادية في الماضي، إلا أن الحكومة والمقرضين يردون على مصاعب اليوم بطرق مختلفة، فبدلا من تقديم حزم إنقاذ غير مشروطة، تعمل دول الخليج مع صندوق النقد الدولي، الذي أقرض مصر 3 مليارات دولار، للضغط على القاهرة للقيام بإصلاحات بنيوية. وتشمل هذه إبطاء المشاريع التي تنفذها الحكومة، وتخفيف سلطة الجيش في الاقتصاد. لكن التحركين، وإن كانا مهمين لعافية الاقتصاد على المدى البعيد، إلا أنهما يظلان مصدر معاناة للكثيرين من أنصار الرئيس عبد الفتاح السيسي. فلو كان الأثر كبيرا وواسعا فسيجلبان إمكانية عدم الاستقرار.

ومن الواضح أن الحكومة قلقة، ولهذا جاء قرار الإعلان عن الحوار الوطني مع قوى المعارضة والمجتمع المدني، ويعكس الرغبة لتوسيع قاعدة الدعم في ظل تدهور الاقتصاد، مع أن الناشطين عبروا عن قلقهم من موقف الحكومة، وأنها غيرت رأيها من المبادرة.

وهنا يأتي دور المؤسسات الثنائية والمتعددة للضغط على القاهرة للقيام بإصلاحات اقتصادية وسياسية، ومتابعة أثر التعديلات البنيوية، وما تقتضيه من مطالب لتجنب تغذية عدم الاستقرار فيما تبقى من دولة تعتبر مهمة استراتيجيا. فبعد تماسك الاقتصاد المصري وبطريقة غير متوقعة في أثناء وباء كوفيد، تلقى ضربة بغزو روسيا أوكرانيا، وبدأت الأزمة خلال عام 2022، وتوسعت مع دخول عام 2023، فقد تراجع سعر الصرف في 4 كانون الثاني/ يناير، ووصل لأدنى مستوياته في الـ11 من الشهر ذاته، حيث أصبح الدولار يساوي 32 جنيها مصريا، قبل أن ينخفض إلى 30 جنيها. وكان سعر صرف الدولار حتى آذار/ مارس 2022 بـ15 جنيها. وهذا هو ثالث تراجع منذ العام الماضي، ويتوقع المستثمرون الأجانب مزيدا من التراجع.

انخفاض الجنيه

وأدى انخفاض قيمة الجنيه لارتفاع التضخم الذي وصل إلى 31.9% في شباط/ فبراير وأعلى من 25.8% في كانون الثاني/يناير. كما ارتفعت أسعار الطعام بنسبة 61.8% وعلى قاعدة سنوية، حيث ازدادت أسعار الباستا والدجاج والألبان واللحم أكثر من غيرها.

وتركت هذه التطورات أثرها على السكان الذين يمثل منهم أبناء الطبقة العاملة والمتوسطة نسبة كبيرة، حيث بات الكثيرون منهم يعمل في أكثر من وظيفة، وغيروا عادات الطعام، واستبدلوا بالبروتين الحيواني بدائل أرخص.

وتعود الأزمة إلى سنوات طويلة، فمنذ سيطرة السيسي على السلطة عام 2013 تبنى نموذجا ركز على مشاريع بنية تحتية بقيادة الحكومة وممولة بالقروض المحلية والخارجية وتنفيذ شركات الجيش. وباتت هذه الشركات مهيمنة على الكثير من القطاعات، في وقت خسر فيه الرأسماليون المحسوبون على نظام حسني مبارك الذي حكم 30 عاما التأثير، وبات القطاع الخاص مزدحما بالشركات المنافسة له.

وعكس هذا الترتيب رؤية السيسي للواقع، وضمن له ولاء الجيش، ودعم توسعا اقتصاديا متواضعا. ولكن النموذج هذا فشل في تخفيف البطالة، وزاد من معدلات الفقر وعدم التوازن الخارجي. وعندما ضرب كوفيد مصر، توقع المراقبون أن تظهر مكامن ضعف مصر، لكنها استطاعت المرور من العاصفة، فقد تدفق المستثمرون الأجانب وزادت تحويلات المصريين في الخارج. وساعد الدخل هذا الحكومة على تمويل حسابها الجاري، ومعالجة العجز في الميزانية، ودعم الدخل المحلي. إلا أن غزو أوكرانيا هو ما كشف عن ضعف اقتصاد مصر، وأظهر مدى اعتماد مصر على شراء السلع الضرورية من الخارج، كالحبوب والوقود. وتراجع احتياط البلد الأجنبي، فيما فشلت جهود الحكومة الحد من الاستيراد، وبدأ المستثمرون بالشك في قدرة الحكومة الدفاع عن سعر الصرف، وأدى لخروج 20 مليار دولار في الفترة ما بين كانون الثاني/ يناير وأيلول/ سبتمبر 2022. وتراجع الاحتياطي الأجنبي أكثر، ووصل إلى حجم ثلاثة أشهر من الواردات في تموز/ يوليو 2022. ونظرا لفقدان العملة قيمتها وزيادة كلفة خدمة الدين، وجدت مصر صعوبة في دفع الديون. وفي ظل خروج المستثمرين والعجز في الحساب الجاري، فليس لدى السلطات أي خيار إلا مواجهة مزيد من التدهور في سعر الصرف. وحاول المصرف المركزي زيادة سعر الفائدة للحد من خروج رأس المال واحتواء التضخم. وتعني أسعار فائدة مرتفعة وعملة بقيمة متدنية زيادة في كلفة خدمة الدين. وتتوقع ميزانية 2023 – 2024 أن تشكل عمليات الدفع نسبة 56% من النفقات الحكومية.

ويرى المراقبون والمستثمرون أن أعباء الدين هي ما يثير القلق. ومع تدهور الوضع الاقتصادي خلال2022، حاولت مصر الحصول على مساعدة من صندوق النقد الدولي، وطلبت بداية 12 مليار دولار ولم تحصل عليها، ثم قبلت 3 مليارات دولار على مدى 46 شهرا بشروط غير عادية، وأهم ما فيها "التحول المستمر إلى سعر صرف مرن". ومن ناحية فعلية طالب صندوق النقد الدولي من مصر تخفيض قيمة عملتها، وهو قرار سياسي صعب. وبحسب مسؤول دولي فقد تعاملت الحكومة المصرية مع جنيه قوي كعلامة تميز دولي تمكنها من إدارة مستويات الدين الخارجي والتضخم واستيراد مواد البناء للشركات التي يملكها الجيش. إلا أن صندوق النقد الدولي تعامل مع عملة بقيمة عالية مصطنعة غير جيدة للاستيراد وتوسع العجز في الحساب الخارجي وتزيد من الطلب على الدولار في السوق السوداء. إلا أن هذا أدى إلى نقص العملة الأجنبية لأن المصريين توقعوا قيام الحكومة بتخفيض قيمة العملة. ومع أن تخفيض قيمة العملة أدى لزيادة حجم السيولة من العملات الصعبة وتحرك المسؤولين المصريين نحو تعويمه بالكامل، إلا أن هناك أدلة عن استمرارهم التحكم بقيمته وضد رغبات صندوق النقد.

أما الإصلاح الآخر، والذي قد يكون شائكا، هو إجراءات التقشف وتخفيف الدعم على الوقود، ما سيزيد من الإحباط بين الطبقة المتوسطة والعاملة. وطالب صندوق النقد الدولي من القاهرة أن تبطئ مشاريع البنية التحتية لتخفيف الضغط على الحسابات الخارجية والتضخم. ويمثل هذا تحديا للسيسي ودعم سياساته في الداخل. وكرر في كانون الثاني/ يناير أهمية هذه المشاريع الوطنية لكن المسؤولين الخارجيين جادين في مطالبهم، وعبروا عن استعداد لإصدار تصريحات علنية لو فشلت مصر بالالتزام. ولأن مصر لا تزال تحت رقابة المستثمرين ووكالات التصنيف الدولية، فأي انتقاد من صندوق النقد الدولي قد يزيد من شكوك السوق بالتزامات الإصلاح.

"الجيش"

لكن أهم تحد للسيسي وسياسة التنمية القائمة على القروض تلك المتعلقة بتخفيف حدة تدخل الجيش في اقتصاد الدولة. ويشترط قرض صندوق النقد وضع معايير لتدخل الحكومة بالاقتصاد والشفافية في عملية الشراء العامة وخصخصة الشركات غير الإستراتيجية ووقف الإعفاءات الضريبية والمميزات الأخرى لهذه الكيانات. والهدف من هذا هو تخفيف بصمات الجيش والدولة في الاقتصاد بشكل يفتح المجال أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية، وحصل الصندوق على موافقة من الرئيس لضمان تحقيق هذا. لكن هذا لا يعني النجاح، فمقاومة الجيش لهذه الإجراءات قد تؤدي إلى فشل خطة صندوق النقد الدولي ومعها ستظهر مشكلة إعادة الثقة بقدرة الحكومة على إدارة اقتصاد الدولة.

ويرى مراقبون أن مصادقة الرئيس والوثائق التي تم التفاوض عليها للصفقة مع القاهرة وكذا والدعم الدولي له، سيجعل من الصعوبة أمام مصر التخلي عن التزاماتها. ورغم ذلك فقد وقع الرئيس في كانون الثاني/ يناير على قرار يخصص مزيدا من الأراضي للجيش، ربما علامة على تحد قادم للصندوق. كما ويشك عدد من المراقبين بجدوى خصخصة الكيانات التي يملكها الجيش ومشاريعه، نظرا لمكانته المتميزة في الدولة والمجتمع المصري. وحتى لو تم عرض شركات للبيع، فمن الصعب تحديد سجل الشركات المالي، وهو مطلب قانوني في أي عملية بيع.

ورغم التوافق الدولي على الإصلاحات، إلا أن إبطاء المشاريع وتحويل بعضها قد يؤدي إلى مشاكل للرئيس مع قواعده، وبخاصة الجيش الذي استفاد من هذه الترتيبات. وستؤدي أيضا خطط التقشف ومزيد من تعويم العملة لتراجع الدخل، وهو ما سيؤدي إلى زيادة خيبة الأمل لدى الجيش والشعب بطريقة تهدد استقرار البلد.

"الخليج"

وعادة ما يعبر الشركاء الدوليون عن دعمهم لخطط صندوق النقد الدولي، لكنهم ليسوا على قلب واحد، ويخشون من الإجراءات المتشددة، والتي قد تؤدي إلى عدم استقرار وهجرات. وهناك دبلوماسيون تحدثوا إلى المجموعة من أن بعض الحكومات الأوروبية تحاول التواصل مع صندوق النقد الدولي لتخفيف مطالبه خشية من عدم الاستقرار. وقال دبلوماسي: "مصر كبيرة جدا كي يسمح لها بالسقوط من المنظور الأوروبي".

وتعتبر دول الخليج متغيرا آخر، فقد لعبت هذه الدول دورا مهما بعد الانقلاب ودعم استقراره بالمال والنفط وغير ذلك، لكن العلاقة منذ 2013 بين مصر والإمارات والسعودية اتسمت بالتوتر والخيبة. دول الخليج غاضبة من أداء اقتصاد مصر ومقاومة الدولة للإصلاحات إلى جانب المواقف الإقليمية للدولة التي عادة ما تقف ضد أولويات هذه الدول.

وبالمقابل تشعر مصر، أكبر دولة تعدادا للسكان، والتي كانت تقود المنطقة بعدم الارتياح من محاولة دول الخليج الإملاء عليها، وتريد التأكيد على استقلاليتها، فقد دعمت حصار قطر، ورفضت المشاركة بالعملية في اليمن أو الدخول بمنافسة مع إيران أو دعم محاولات الإطاحة ببشار الأسد في سوريا. وعندما تعاونت مصر مع دول الخليج، كما في ليبيا، فقد أنتج هذا خلافا، كما وتجد مصر نفسها في الطرف المضاد بالمواجهة الحالية في السودان، لكن مصر بحاجة إلى المال الخليجي لكي توقف العجز الخارجي.

ويفترض صندوق النقد الدولي أن 3 مليارات منه سيتم دعمها بـ14 مليون دولار من مصادر أخرى. ويتوقع البنك الدولي مشاركة دول الخليج بـ10 مليار دولار في السنوات المقبلة إلى جانب 28 مليار كودائع في المصرف المركزي. إلا أن دول الخليج أصبحت مقرضا بشروط، حيث تواجه تحديات خاصة بها من ناحية التنمية، ما يعني تراجع الشهية لإنقاذ مصر. ورغم إيداع كل من الكويت وقطر والإمارات والسعودية 13 مليار دولار في المصرف المركزي لمساعدة مصر على استيعاب الصدمة من أوكرانيا إلا أن هذه الدول ماضية في نهجها في الإقراض المشروط. وقال مسؤول خليجي: "لسنا مستعدين لمساعدة من لا يريدون مساعدة أنفسهم، وحتى لو كنا مستعدين، فمصر بحاجة لمساعدة ضخمة، ولم يعد لدى أي منا القوة".

وباتت دول الخليج تطالب بحصة في أصول شركات مصرية، ووضعت أسعارا عالية على العائدات بدلا من التفكير في كيفية مساعدة مصر، بشكل أدى إلى احتكاكات بين مصر ودول الخليج. وبحسب مصدر فقد علقت هيئة الاستثمارات العامة السعودية في تشرين الثاني/ نوفمبر شراء البنك المتحد لأن مصر أصرت على تحديد سعر بالجنيه فيما خاف السعوديون أن يقلل سعر الجنيه المنخفض من قيمته بالدولار. وقاد هذا إلى توتر بين مصر ودول الخليج حيث كتب معلقون سعوديون مقالات اتهموا البلد بالعجز وتدخل الجيش بالاقتصاد، فرد معلقون مصريون واتهموا المملكة بالغطرسة. وفي الوقت الذي تعكس التعليقات إحباطا من الطرفين إلا أن المعلقين يرون فيها غضبا سعوديا من تأخر تسليم مصر جزيرتي صنافير وتيران التي وافقت حكومة السيسي على تسليمها عام 2016 وسط غضب شعبي.

ووسط هذا، أعلن السيسي عن الحوار الوطني العام الماضي مع كل الأحزاب دون استثناء، مع أنه استبعد الإخوان المسلمين لاحقا. وقالت جماعات المجتمع المدني والناشطين إن الحوار الوطني هو محاولة لتوسيع قاعدة النظام الاجتماعي قبل حدوث الاضطرابات السياسية. مع أن النظام عمل في الماضي على إغلاق كل منافذ التعبير الحر والعمل الحزبي خشية أن تتكرر التجربة التي حدثت لمبارك، والذي سمح بقدر من الحرية الحزبية والسياسية والتعبير. وعلى هذه الخلفية، رحبت الجماعات الوطنية والمجتمع المدني بالدعوة، وإن بحذر، وحاولت جماعات وضع شروط للمشاركة، مثل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، ووقف استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد الناشطين، وفتح مجال التعبير، وغير ذلك، إلا أن رد الحكومة على هذه المطالب كان مخيبا للآمال.

وبدأ الحوار في أيار/ مايو، بعد عام من إعلان السيسي عنه، وسط شعور بالتشكك بين الناشطين من نجاحه. وقال مراقب: "من الداخل لا نشعر بأن هناك أملا". وفي النهاية تواجه مصر تحديات داخلية وخارجية تحتاج إلى إعادة تشكيل لترتيبات الدولة القائمة. وهناك من يرى أن مثال لبنان قد يصلح لمقارنة وضع مصر، لكن الأخيرة ليست لبنان، وهناك فرص قوية لأن تعيد السلطات النظر في سياسات الماضي.