كتب

محددات الهوية الوطنية السورية في ظل التحديات الكبرى.. قراءة في كتاب (2)

من الواضح أنَّ النزاع السياسي كان في طليعة ما أساء إلى ثقافة أبناء القطر الواحد أو الأمة العربية..
الكتاب: "الثقافة الوطنية والتحديات الراهنة"
الكاتب: الدكتور حسين جمعة
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق 2018
(302 صفحة من القطع الكبير)

تجسيد الثقافة الوطنية للهوية لمواجهة المخططات المعادية


من الواضح أنَّ النزاع السياسي كان في طليعة ما أساء إلى ثقافة أبناء القطر الواحد أو الأمة العربية ولا يقل التطرف الديني والمذهبي خطراً عنه؛ ما أدى ببعض الدول العربية إلى الانزلاق في الاقتتال الدامي، ولاسيما إبان زمن الخراب العربي الرديء الذي استحوذت فيه الغرائز وامتلاك السلطة على النفوس كما حدث في السودان الذي قسم قسمين؛ وهو ما يخشى أن يحدث في العراق إذ ظهرت نوازع انفصالية لدى بعض فئات المجتمع العراقي، بعد أن سقط عدد غير قليل من المسؤولين المحليين في مطب ،التبعية وصار أداة لتنفيذ أجندات خارجية خططت لها بدقة الدوائر الصهيو / أمريكية لتحقيق مصالحها، وتحقيق مصالح حلفائها الذين ارتبطوا بها.

وفي هذا الإطار فإنَّ تلك الدوائر مازالت تعتمد استراتيجية إثارة النزاعات والصراعات السياسية والدينية والمذهبية والعشائرية بين مكونات الوطن الواحد. وهذا ما عبر عنه الباحث الأنثروبولوجي والسياسي الفرنسي (سيرج لانوش) في مقولة (الثلاجة المغلقة)؛ وهي الثلاجة التي تنشر الفوضى والعنف في أي منطقة تقف في وجه المصالح الغربية. فالدوائر المعادية أرادت أن يقفز العقل الوطني والعربي فوق هذه الحقائق التاريخية؛ والترويج للصراعات الطائفية والمذهبية؛ واتهام الدولة الوطنية بممارسة القهر والظلم وحماية الفساد وشروره والقيام بتخريب الذمم، والسوء في توزيع الثروة. ومما يؤسف له فقد ظهر وكلاء لتلك الدوائر في سوريا وسواها من البلدان العربية تتبنى فلسفتها المعادية وثقافتها الهدّامة وأخذت تدعم تشكيل تنظيمات إرهابية باسم الثورة على الفساد والظلم للإجهاز على الدولة الوطنية .

ولعل هذا كله قد أحدث جراحاً عميقة في جسد الدول العربية وثقافتها الوطنية ومكونات شعبها الذي اجتاحته مخاطر جمة أدت إلى تهديد وحدته المشتركة، ثم أحدقت بمصير وطنه، من دون أن تظهر في نهاية النفق بوارق الضوء الذي يبشر بنهاية قريبة للاقتتال أو العنف المتطرف الذي يجري بين مكونات المجتمع الوطني.

هذا ما وقع في السودان وليبيا واليمن وكل الدول التي زحف إليها ما يسمى (الربيع العربي) تحت عباءة إشاعة الحرية والديمقراطية، وتضليل الرأي العام بأوهام كاذبة حولهما وإقناعه بأن الإرهاب الذي تمارسه التنظيمات التكفيرية المسلحة وجماعات المرتزقة قد أصبح ثورة من أجل الحرية والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة والحق، من دون أن ننسى بعض من يزعم كثير من الضالين المضللين والغافلين أن الدوائر الصهيو / أمريكية وغربية لا علاقة لها بما يجري داخل أي من الدول المذكورة وغيرها.

ولسنا نشك لحظة واحدة في أن البرنامج الوطني الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي ينبغي أن يتخلص من أخطائه القاتلة والممزقة للذهنية التشاركية ووحدة المجتمع. وعليه أن يقرأ الواقع الراهن قراءة واعية وموضوعية، وألا تعمى البصيرة عن الحقيقة الكبرى في مشروع الهيمنة الصهيوني الغربي على الوطن العربي وموارده البشرية والاقتصادية والطبيعية؛ وهو المشروع الذي زرع الدولة الصهيونية في قلب هذا الوطن لتكون رأس حربة موجهة على الدوام إلى إعاقة المشروع العروبي النهضوي وإضعاف التنمية البشرية الوطنية في أي مجال من المجالات.

إذا دب الصراع في بنية المجتمع، وسادت غريزة القطيع فيه تحطمت عوامل قوته، ولم تعد لديه هوية ثقافية حضارية ممتدة في التاريخ القريب والبعيد، وبخاصة حين ضاعت عناصر الالتقاء على العدو المشترك؛ سواء تجسد في الاستعمار الأوروبي الحديث؛ أم الاستعمار الاستيطاني الصهيوني المتوحش.
إن ما يجري من إرهاب متوحش في سوريا أو غيرها من الدول العربية ليس مجرد تعبير عن شرائح اجتماعية تسعى وراء مصالحها، أو عن أخطاء أنظمة عجزت سياستها الاجتماعية والاقتصادية والإدارية عن تلبية مطالب مواطنيها أو عن ثقافة وطنية عجزت عن مواكبة التغيرات الطارئة في عصر تفجر المعرفة والتقنيات، وإنما هو نتيجة لمخاض كبير من سياسات الهيمنة الخارجية على الوطن العربي الذي يمثل قلب العالم. ولعل هذا يفرض علينا سؤالاً جديراً بالنظر: أليس الوطن بحاجة إلى تنمية شاملة تحقق العدالة والكفاية في إطار ثقافة وطنية تستلهم الواقع وتحلل تبعاته.

وإذا كان لزاماً علينا أن نفيد من تجارب الآخر فعلينا أن نخوض بقوة غمار التنمية الرقمية وثورة الاتصالات الحديثة لنعيد للهوية الوطنية والعربية وجهها الناصع، ونغني إرثها الثقافي الحضاري.

ولعل هذا يضعنا أمام الآفاق التي نريدها لتأسيس إدراك علمي موضوعي للهوية الوطنية والقومية، إذ لم يعد خافياً على أحد أن أزمة الهوية أنتجت أزمات شتى في الواقع العربي، وبخاصة إبان العقد الأخير من القرن الحادي و العشرين.

إعادة بناء الدولة الوطنية في سوريا وفق رؤية العصر الحديث

أكدت الأزمة التي تعرضت لها الدولة الوطنية في سوريا إبان مرحلة الربيع العربي أن سعي الدوائر الصهيو / أمريكية وغربية إلى تمزق الدولة الوطنية وفق مخطط الشرق الأوسط الجديد، وتسخير العصابات الإرهابية التكفيرية لتنفيذه يعيد التاريخ ذاته حين قسم الاستعمار الأوروبي الوطن العربي إلى دويلات متنابذة. ما يعني أن الدفاع عن الهوية الوطنية إنما هو تحذير للدفاع عن الهوية القومية، كما أن الأحداث توحي بأن الدعوة القومية إلى الوحدة تماثل اليوم دعوتنا إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية.

في هذا السياق يجب الإشارة إلى مفهوم الانتماء الجامع الذي يحقق قيم المواطنة الأصيلة وأركانها في صميم مبدأ (الوحدة في إطار التنوع) الذي ينبثق من البنية المجتمعية عرقياً وجنسياً ثقافياً ودينياً؛ سياسياً واقتصادياً؛ بنية مجتمعية تحقق الدولة الوطنية العلمانية الحضارة التي ترسخ مبدأ العدالة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد في ظل الحقوق والواجبات؛ ومبدأ سيادة القانون، ما يثبت أن الولاء الأول والأخير ـ في ماهية المواطنة للوطن؛ لأن انتماء كل مواطن في دولة ما للهوية الوطنية وليس للعائلة أو العشيرة او العرق أو المذهب أو الطائفة.

يقول الدكتور حسين جمعة: "وما يؤسف له في هذا الاتجاه ذلك التنازع بين الولاء للوطن والولاء الذي يستند إلى الانتماء الأصغر وتغليبه على المواطنة مثل (العائلة أو العشيرة أو المذهب أو الطائفة؛ أو العرق إثنية وقومية أو الإيديولوجيا الفكرية حزبية وتيارات علمانية ومحافظة، وغيرها) لأن شهوة الجاه والمال أو غريزة السلطة تحكمت بالنفوس المريضة ؛ كما تلاعبت الفتنة المذهبية والطائفية بالعقول الهوجاء، بعد أن تغذت بريح فاسدة قادمة من هنا وهناك، فلم يعد المواطن قادراً على الاختيار لأنه أصيب بعقم الوعي وغشاوة الهوس الديني السياسي والإيديولوجي؛ في الوقت الذي فقد الروح الوطنية.

وإذا دب الصراع في بنية المجتمع، وسادت غريزة القطيع فيه تحطمت عوامل قوته، ولم تعد لديه هوية ثقافية حضارية ممتدة في التاريخ القريب والبعيد، وبخاصة حين ضاعت عناصر الالتقاء على العدو المشترك؛ سواء تجسد في الاستعمار الأوروبي الحديث؛ أم الاستعمار الاستيطاني الصهيوني المتوحش.

 وقد يكون أعداء الأمة نجحوا في إثارة البلبلة في مفاهيم الأمة الأصيلة يوم تبنوا ما يسمى بالإسلام السياسي؛ وزرعوه في ذاكرة أبنائها المغرر بهم أو من كان من الرعاع (الحُطَمة)، ثم زحزحوا الاتفاق على مفهوم العدو؛ فطفقت العصابات التكفيرية ـ باسم الدين ـ تضرب رقاب أبناء الوطن وأصبح شيوخ الجهاد في هذا العصر شيوخ الغدر والخيانة، الذين دمروا البلاد وأهلكوا العباد؛ ومع ذلك بقي من الناس من يصدقهم ويأتمنهم، ويتبعهم وراح من وراح من غُسِل عقله من شريحة الشباب يتنافس في تنفيذ أوامرهم.

ولذا فالوعي الوطني المخلص؛ والحدس الصادق والأمين على الأمة يبقى السبيل للحفاظ على الهوية التاريخية؛ فإذا فقد ضاع كل شيء؛ لأن غيابه) يعني سقوط منظومة القيم الخلقية والدينية؛ وانتشار التضليل والزيف والتزوير؛ وتدمير الوطن ثم لابد من أن يكون لهذا الوعي قادة وأرباب شرفاء وأحرار من المثقفين والمفكرين والسياسيين يفرقون بين الأديان أو المذاهب بوصفها عقيدة خَيّرة؛ وبين هذه أو تلك بوصفها وسيلة سياسية وتكفيرية لمصالح دنيوية). ولذا قال أنطونيو غرامشي ۱۸۹۱ ـ ۱۹۳۷م): "عندما يكتسب المرء تصوره عن العالم ينتمي المرء دائماً إلى تجمع خاص؛ وهو كل ما يضم العناصر الاجتماعية التي تتشاطر نمط التفكير والتصرف نفسه. نحن جميعاً أتباع لنمط من أنماط الالتزام الفكري أو العقيدي ونحن دائماً إنسان - ضمن – القطيع أو الإنسان الجمعي"(ص 117).

لا يزال العقل العربي ينظر نظرة غير موحدة إلى مفهوم الدولة الوطنية التي تجسد وحدة الأرض والشعب والسيادة التي تتطلب إدارة السلطة وفق الاستقلال الكامل سياسياً واقتصادياً واجتماعياً و... وإذا كان العقل بحد ذاته يميل إلى مبدأ الجهد الأقل؛ واللجوء إلى كل ما هو سهل وجاهز؛ فإنه ينفر من الغموض والتعقيد - وإن حَرص على مفهوم التجريد بوعيه الخاص لطبيعة الدولة الوطنية علماً أن الدولة مصطلح يتماهى في بنيته الاجتماعية والسياسية بمبدأ الشراكة الوطنية لكل أبناء الوطن؛ لأسباب عدة، فضلاً عن أنه يحقق النفع العام لهم. وما استقرار هذه البنية الجامعة لكل مكوناتها الفكرية والسياسية والاجتماعية واعتمادها مبدأ العدالة الاجتماعية إلا تجسيد لمفهوم الدولة التي تستند إلى التنوع والتعدد في صميم الوحدة الكلية وهذه من صفات الدولة العلمانية؛ وليس الدولة الدينية التي تنفي بعض مكوناتها.

فالدولة الوطنية العلمانية في مقوماتها الكبرى لا يمكن أن تقع في مطبّ الخوف من المجهول؛ أو أن تسقط في التخيل الكاذب الذي يجافي كل أشكال المبادرة الخلاقة التي تتطلع إلى التقدم والنهوض ومن ثم لا يمكن لمنهجها أن يتخلف عن مواكبة العصر؛ فهي تدرك أن هناك زمناً يفرض سننه على البشرية قاطبة؛ إذ يخلق أموراً ويميت أخرى.

ثم إن العلماء والمفكرين والمثقفين المميزين في الدولة الوطنية العلمانية لا يركنون لأي شيء تقليدي أو ثابت، بوصفه يؤدي بهم هناك إلى نمطية معرفية مكرورة تتصف بالتخلف والتراجع المستمر. وإذا وجد من انتفع بهذه النمطية، وكسب منها مكاسب هائلة وكان لكل دولة حاجاتها ووظائفها التي توضع في إطار التوازن الاجتماعي؛ والسياسي الذي حافظ على الأمن والاستقرار فإن لكل منهج جديد إشراقاته المحكومة بشروطها؛ ولكل مبدع أفكاره وتصوراته. ولعل هذا يوحي بأن المجتمع ـ أي مجتمع ـ بحاجة دائمة إلى الدولة الوطنية التي تتخذ قراراتها السيادية بحرية تامة وتعمل السلطة فيها على تحقيق سيادة القانون؛ ومواكبة التغيير الموضوعي المنهجي العلمي على كل مستوى وصعيد.

 في هذه المبادئ المؤسسة للدولة الوطنية الحديثة تتجلى العلمانية على أنها استقلال مجال السياسة عن مجال الدين، بوصفهما مجالين مختلفين اختلافاً كلياً. اختلاف هذين المجالين لا ينفي تقاطعهما في القيم الإنسانية المشتركة بين معتنقي الأديان والمذاهب المختلفة، في المجتمع المعني والدولة المعنية، فإن ما هو إنساني، عام، في كل دين أو مذهب يتموضع أو يتحقق واقعياً في المواطنة بأركانها التي أشرت إليها وفي منظومة القيم الاجتماعية والإنسانية.

مبدأ الدولة الوطنية هو العمومية التي تتجلى في الدستور والقانون العام، ومبدأ الدين هو الخصوصية. كل دين هو دين خاص، فضلاً عن كون كل مذهب مذهباً خاصاً، والمواطنة، بما هي انتماء وطني إلى الدولة، لا تقتضي تخلِّي الأفراد والجماعات لا عن شرطهم الديني أو المذهبي ولا عن محمولاتهم وتحديداتهم الذاتية، بل تدمجهم في نسيج وطني أو فضاء وطني مشترك بينهم جميعاً بالتساوي.

الدولة الوطنية بحاجة إلى العقل الجمعي المحكم في إطار ثقافة الإنتاج الموضوعي، وإقامة المشاريع الصغيرة والكبيرة، والورشات المتضامنة والمتكاملة التي يقودها فريق عمل جماعي منظم ومهياً علمياً وعقلياً؛ بعيداً عن التخييل ،الخداع والتوهم المضلل ما يجعل التنمية بكل أشكالها تنمية متقدمة ومتطورة.
يقول الدكتور حسين جمعة: "تحتاج الدولة الوطنية ـ بوصفها دولة علمانية ـ إلى معرفة الذات وتوازنها، ومهاراتها، وقدرتها على التأثير كما تحتاج إلى مراجعة نقدية عقلية شاملة ومتكاملة تستند إلى الشفافية والعلم الموضوعي والعقل الإدراكي. فما مر بالأمة العربية ودولها المتعددة لم ينطبق عليه هذا التصور، بدليل ما انتهت إليه من خَلَل اجتماعي وفكري وديني واقتصادي وإعلامي وتقني؛ ما يشي بأن الدولة القطرية عجزت عن معالجته المعالجة الصحيحة الصادقة والدقيقة خلال النصف القرن الماضي، ويزيد.

وكان الموقف العلمي الموضوعي للدولة الوطنية القطرية في الوطن العربي يفرض عليها أن تلجأ ـ قبل أي شيء آخر ـ إلى دراسة أسباب المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتراجع قيمة الثقافة ومنظومتها الخلقية على كل صعيد ومستوى؛ داخلياً وخارجياً ولا سيما ما يتعلق بحاجة الشباب وطموحهم. وهذا يدفعنا إلى التفكير الجدي بكل فرص العمل وأشكاله، وظاهرة البطالة التي أدت إلى كوارث في الإنتاج؛ وتدهور في التنمية لعجز في النفوس والحياة؛ وكان عليها دراستها دراسة موضوعية تلبي حاجات الريف والمدينة وبقية المناطق على السواء"(ص 129).

لذا فالدولة بحاجة ملحة وضرورة حتمية إلى إيجاد العلاقة المنطقية والمتوازنة بين الذات والآخر؛ وبين المواطن وبينها وتوسيع قاعدة المصلحة العامة بالتعاون الإيجابي بين أفرادها ومواجهة الواقع الاجتماعي الذي أدى إلى خلل مُدمر على صعيد البنية الاجتماعية واستقرارها؛ وعلى صعيد البنية الاقتصادية التي تراجعت إلى الوراء لأسباب كثيرة.

إن هذا الوعي ينطلق من رسم الصورة الأفضل لعملية التنمية البشرية الشاملة والكاملة؛ والمستدامة؛ والتوجه للمستقبل وبناء قاعدة الشراكة الوطنية، والإفادة من الشباب وعناصر الإنتاج الأخرى التي تحقق الاستقرار النفسي والذهني في ضوء تبني منهج علمي مبني على عقل نقدي يتجنب طرائق النقل والتلقين والحفظ. ويعتمد مفهوم المبادرة والتفكير النقدي للتخلص من الكوارث التي وقعت؛ ويتأصل في برنامج يفجر الطاقات الكامنة في المجتمع من أجل عملية البناء لا في أساليب الهدم، فضلاً عن تجذير مفاهيم المواطنة التي أعطاها بعض المفكرين و الأدباء جل عنايتهم.

فالدولة الوطنية بحاجة إلى العقل الجمعي المحكم في إطار ثقافة الإنتاج الموضوعي، وإقامة المشاريع الصغيرة والكبيرة، والورشات المتضامنة والمتكاملة التي يقودها فريق عمل جماعي منظم ومهياً علمياً وعقلياً؛ بعيداً عن التخييل ،الخداع والتوهم المضلل ما يجعل التنمية بكل أشكالها تنمية متقدمة ومتطورة.

بمعنى آخر تحتاج الدولة الوطنية إلى الإفادة من ثقافة المحبة والتسامح والتعارف والتشاركية، وتبني العلم القائم على البرامج والرؤى المستندة إلى إدراك واع للواقع ومراجعة وتحليل معطياته الإيجابية والسلبية. فقوة العقل ليست موازية لقوة الرغبة والشهوة للحصول على شيء ما؛ وإن كانت قوة الرغبة مطلوبة لبقاء الحياة؛ وكذا قوة الغضب والعصبية للمحافظة على التنافس الصادق الشريف وليس للكراهية والحقد والحسد والضغينة. فالدولة الوطنية العلمانية تبني حياتها على أسس علمية موضوعية تستند إلى قوة العقل الإدراكية الواعية؛ والحكيمة التي تضبط الحياة والمشاعر وتوجه الطاقات والمهارات إلى ما فيه صلاح الوطن وتقدمه، وهذا ما نستشفه من مفاهيم المواطنة وتستوحيه من التراث الوطني الذي يدفع الجميع إلى حركة حيوية متجددة وفاعلة، تنتصر على عملية الإرهاب الذي يؤدي إلى الفناء والموت.

إقرأ أيضا: محددات الهوية الوطنية السورية في ظل التحديات الكبرى.. قراءة في كتاب (1)