كتاب عربي 21

ثغرة أمنية خطيرة في باب المندب

باب المندب- أ ف ب
لطالما كانت منطقةُ باب المندب الاستراتيجية حاضرة في قلب الصراع الدائر على الساحة اليمنية، وزادت حالة عدم اليقين بشأن الاستقرار المفترض في هذه المنطقة، بعد أن تورط التحالف العربي في إنتاج جماعات مسلحة منفلتة وكرَّسَ مشاريعَ سياسية متناقضة ومتصارعة؛ وأبرزها المشروع الانفصالي الذي تسبب في وجود ثغرة أمنية خطيرة في هذه المنطقة الحساسة وشديدة الأهمية بالنسبة للملاحة الدولية.

واتجهت أنظار المجتمع الدولي إلى هذه المنطقة بعد أن قررت الولايات المتحدة الأمريكية نشر 3 آلاف من مشاة البحرية وسفينتين حربيتين كبيرتين في البحر الأحمر وخليج عدن، رداً على التصعيد الإيراني في المنطقة، مما يستوجب التأمل في تحرك طرف عسكري يمني بعينه لفرض السيطرة العسكرية في باب المندب. وأعني بهذا الطرف، القوات المشتركة بقيادة العميد طارق صالح، على حساب النفوذ العبثي للقوات التابعة للانتقالي التي تعاني من فوضى عارمة وعدم كفاءة وانضباط، خصوصاً بعد أن تحولت خلال السنوات الماضية إلى وحدات خفر سواحل داعمة لعمليات تهريب واسعة وأعمال غير مشروعة ومزعزعة لاستقرار اليمن والمنطقة.

فخلال الأيام الماضية تصاعدت حدة التوتر بين جماعات مسلحة هي خليط من تكوينات عشائرية تابعة لمنطقة الصبيحة الجرداء ومحدودة الموارد، وألوية سلفية يتشكل معظمها من هذه العشائر وتتبع قياداتها إما لقوات "درع الوطن" التابعة اسمياً لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، أو ألوية العمالقة التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي الموالي للإمارات.

إعادة تموضع اللواء البحري الجديد التابعة للعميد طارق صالح في المنطقة، تأتي ضمن ترتيبات غير معلنة تجري برعاية إقليمية لإنهاء حالة الفوضى الناشئة عن تفاقم ظاهرة تهريب البشر والهجرة غير المشروعة، والمخدرات والأسلحة والمواد التي تدخل في صناعة الأسلحة، وتنتهي غالباً إلى يد جماعة الحوثي المرتبطة بإيران
التوتر نشأ عن تموضع وحدات من اللواء البحري الجديد التابع لقوات العميد طارق صالح، وهو عضو مجلس قيادة رئاسي أيضاً، في منطقة العرضي المطلة على المضيق وجزيرة ميون، والتي تم ضمها بعد الوحدة لتصبح جزءا من مديرية ذوباب المندب التابعة لمحافظة تعز. وقياساً بما تسمى "القوات الجنوبية"، فإن هذا اللواء حتماً هو جزء من قوات تعد الأكثر تدريباً وتأهيلاً وانضباطاً؛ وتضم عدداً كبيراً من أبناء المحافظات الشمالية وتضم كذلك عدداً لا بأس به من أبناء المناطق الجنوبية والغربية.

ويبدو أن إعادة تموضع اللواء البحري الجديد التابعة للعميد طارق صالح في المنطقة، تأتي ضمن ترتيبات غير معلنة تجري برعاية إقليمية لإنهاء حالة الفوضى الناشئة عن تفاقم ظاهرة تهريب البشر والهجرة غير المشروعة، والمخدرات والأسلحة والمواد التي تدخل في صناعة الأسلحة، وتنتهي غالباً إلى يد جماعة الحوثي المرتبطة بإيران، بالإضافة إلى تجارة السلع.

هناك اعتراض يدعمه المجلس الانتقالي ويجري تنفيذه بواسطة مجموعات عشائرية تابعة لقبائل الصبَّيحة التي تقطن المنطقة الممتدة من وسط محافظة لحج وغربها حتى باب المندب، ولها امتداد لكنه أصبح منفصلاً إلى حد ما في مديريات ذوباب المندب وموزع والوازعية التابعة لمحافظة تعز.

يبدو أن المجلس الانتقالي الذي يتزعمه عضو مجلس القيادة الرئاسي عيدروس الزبيدي، تعمد خلق صعوبات أمام قوات زميله العميد طارق، للحيلولة دون فرض سيطرة عسكرية على منطقة باب المندب التي تعد جزءا من ادعاءات السيادة الجنوبية، على اعتبار أن جزيرة ميون كانت جزءا من جمهورية اليمن الديمقراطية السابقة بعد أن سلمتها البريطانية للدولة المستقلة عنها سنة 1967. ولكن في الحقيقة الهيمنة الاستراتيجية على باب المندب تعود لمحافظة تعز من خلال مرتفعات مديرية ذوباب المندب الحاكمة التي تطل على المضيق مباشرة.

بوسع مجلس القيادة الرئاسي بدعم من السعودية والإمارات، أن يضع حداً لهذه الفوضى في باب المندب، وهذا لن يتم إلاَّ عبر تمكين قوة منضبطة ومسؤولة وتابعة للدولة اليمنية. لكن لا أرى نية لدى هاتين الدولتين في فض الاشتباك العبثي حول وحدة اليمن وإنهاء النزاع حول النفوذ الجهوي في هذه المنطقة، على الرغم من التهديد الحقيقي بفتح ثغرة أمنية خطيرة فيها
لا يعترف الانفصاليون حتى الآن بتبعية جزيرة ميون ومنطقة العرضي المشرفة عليها لمحافظة تعز بعد ضمهما للمحافظة عقب إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في 22 أيار/ مايو 1990، وهو ما يترتب عليه في ظل هذه الفوضى، عدم أحقية قوات صالح في التواجد ضمن مسرح العمليات العسكرية في هاتين المنطقتين، في حين تحاجج قوات صالح أنها تتموضع إدارياً في مناطق تابعة لمحافظة تعز.

الصراع الناشئ حول السيطرة العسكرية على منطقة باب المندب، حوَّلَ أعضاءَ مجلس القيادة الرئاسي من قادة للدولة اليمنية إلى أمراء حرب ميدانيين، يتصارعون تحت مظلة الممول الإقليمي ذاته، لفرض النفوذ في منطقة من الواضح أنها لا تزال في قبضة التحالف الذي أنشأ قاعدة عسكرية في جزيرة ميون، لإضفاء مصداقية على ادعاءات دولتيه بأنهما تضمنان أمن الملاحة الدولية في هذه المنطقة الحساسة من العالم، نيابة عن الدولة اليمنية التي جرى إضعافها بشكل متعمد، وبأنهما بالفعل تخوضان صراع نفوذ مع إيران التي خطت خطوات متقدمة باتجاه فرض سيطرتها العسكرية على الجزء الإماراتية الثلاث ونشر الأسلحة والقواعد الصاروخية فيها.

بوسع مجلس القيادة الرئاسي بدعم من السعودية والإمارات، أن يضع حداً لهذه الفوضى في باب المندب، وهذا لن يتم إلاَّ عبر تمكين قوة منضبطة ومسؤولة وتابعة للدولة اليمنية. لكن لا أرى نية لدى هاتين الدولتين في فض الاشتباك العبثي حول وحدة اليمن وإنهاء النزاع حول النفوذ الجهوي في هذه المنطقة، على الرغم من التهديد الحقيقي بفتح ثغرة أمنية خطيرة فيها، خصوصاً إذا تحول التوتر إلى اشتباكات مسلحة، وأدى في النهاية إلى الفراغ الأمني في هذه المنطقة وتحويلها إلى مسرح منفلت للعبث والتهريب والتجارة غير المشروعة.

twitter.com/yaseentamimi68