كتب

الصهيونية مشروع كولينيالي أوروبي في الجوهر.. قراءة في كتاب

الولاء لإسرائيل بالنسبة للكثيرين، حل محل اليهودية، كمركز للثقل في الهوية اليهودية.
الكتاب: معنى إسرائيل
المؤلف: يعقوب م.رابكن
المترجم: حسن خضر
الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع /2023

يبدأ مترجم هذا الكتاب، حسن خضر، تقديمه بالإشارة إلى أهميته "كونه يمثل مرافعة نقدية ضد الصهيونية وإسرائيل من وجهة نظر دينية يهودية"؛ فالمؤلف، أستاذ التاريخ، يعقوب م. رابكن يتبنى موقف اليهودية الحاخامية أو الربانية، وهي الصيغة الدينية الوحيدة التي عرفتها الجماعات اليهودية على مدار قرون، في كل مكان من العالم حتى نهاية القرن الثامن عشر.

وهي صيغة، بحسب ما يوضح خضر، تحللت في ثلاث فرق هي الأرثوذكسية، والإصلاحية، والمحافظة، تحت الضغط الهائل لعمليات تاريخية كبرى تمثلت في التنوير الأوروبي، وحركة الانعتاق بعد الثورة الفرنسية (منح الجماعات اليهودية حقوقا متساوية في بلدان أوروبية مختلفة، وبطريقة متفاوتة)، وفي حركة تنوير يهودية موازية.

وما يدعى اليهودية الأرثوذكسية اليوم، هي وريثة الحاخامية وهي السائدة في إسرائيل، وهي تنقسم بدورها إلى فرق وطوائف، منها الحريدية؛ الجناح المتشدد في الارثوذكسة، التي يتبنى المؤلف موقفها، وتعبر عنها جماعات مختلفة منها ناتوري كارتا المعروفة بعدائها الشديد للصهيونية، ورفض الاعتراف بدولة إسرائيل.

ونقاط الخلاف الرئيسية بين مختلف الفرق والمذاهب، هي التأويل الديني لأفكار من نوع المنفى والخلاص، وعلاقة اليهود بفلسطين. فقد تعاملت اليهودية الحاخامية مع فكرة الشتات كنوع من العقاب الإلهي، وتنتظر نهايته على يد المخلص كجزء من خطة إلهية. ومن ثم كانت للعلاقة الخاصة بفلسطين دلالة روحية أكثر مما هي مادية أو سياسية، أو "قومية" بالتعبيرات الحديثة. وهذا هو موقف ناتوري كارتا وبعض الجماعات الصغيرة الأخرى، التي ترى في قيام الدولة الإسرائيلية تدخلا بشريا في موضوع الخلاص، وانتهاكا لوعد قطعه اليهود مع الرب، وتعديا على إرادته.

ويلفت خضر إلى أن توظيف النص الديني في نقد ونقض التأويل القومي لعلاقة اليهود بفلسطين في الأيديولوجيا الصهيونية، يشكل مركز الثقل في أطروحة رابكن، ومع ذلك فخلاصاته تلتقي مع خلاصات وصل إليها آخرون بلغة البحث التاريخي وأدواته، مثل العملين النقديين لشلومو ساند "اختراع أرض إسرائيل.." و"اختراع الشعب اليهودي"، حيث يعود بكلا "الاختراعين" إلى فترة نشوء القوميات في أوروبا.

بضاعة أوروبية

يتناول رابكن في كتابه أصول دولة إسرائيل وطبيعتها، ويفحص مكانها في التاريخ اليهودي الأوروبي من عدة جوانب، مذكرا بأن مؤسسي الصهيونية نظروا إلى حركتهم كقطيعة تامة مع التاريخ اليهودي. ويركز على مفارقة مهمة، حيث مكانة أرض إسرائيل مركزية فعلا في التراث اليهودي، إلا أن المسيحيين الإنجيليين، هم الذين سعوا للتجميع الفعلي لليهود في الأرض المقدسة؛ تمهيدا للعودة الثانية للمسيح. ويرى أن هذا "التواطؤ الحميم والعميق" مع المسيحية، يفسر ما تحظى به دولة إسرائيل من دعم قوي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث الجماعات الإنجيلية متنفذة وكثيرة العدد.

إن فكرة أن إسرائيل تجسد الوعد الإلهي للشعب اليهودي، هي أوسع انتشارا في المجتمع الأمريكي ككل، منها بين اليهود الأمريكيين، فتصل النسبة بين الإنجيليين البيض إلى 82%، بينما تبلغ بين اليهود الأمريكيين 40%، وهو ما يعيدنا إلى حقيقة أن أصول الصهيونية بروتستانتية.
كما يفرد جزءا من صفحات كتابه للدور الحاسم الذي أداه اليهود من أصل روسي، وما زالوا، في المشروع الصهيوني. ويقول؛ إنه من الجوهري أن نضع في الاعتبار التمييز الذي عانوا منه في ظل الإمبراطورية الروسية، وعملية تحويلهم إلى جماعة قومية بين جماعات أخرى كثيرة (الأوكران، والأوزبك وغيرهم) خلال الحقبة السوفياتية.

ويشير إلى أن الاعتماد على استخدام القوة الذي وسم المجتمع الإسرائيلي من بداياته، وميزه عن غالبية المجتمعات اليهودية في الشتات، يمكن إعادته إلى الدروس التي استخلصها اليهود الروس من "المذابح" التي تعرضوا لها في روسيا، ولاحقا من الإبادة النازية.

بحسب رابكن، تمثل الصهيونية في نسختها الناجحة حركة قومية ذات أربعة أهداف: تحويل الهوية اليهودية متعددة القوميات، المتمركزة حول التوراة إلى هوية قومية كغيرها من هويات الأمم الأوروبية الأخرى، وتطوير لغة محكية جديدة أو لغة قومية، تقوم على عبرية التلمود والتوراة، وتهجير اليهود من بلدانهم الأصلية إلى فلسطين، وإنشاء سيطرة سياسية واقتصادية على فلسطين.

وبينما لم تكن القوميات الأخرى مضطرة إلا للتعاطي مع موضوع الكفاح لتحقيق السيطرة السياسية والاقتصادية على بلدانها في تلك الفترة، وضعت الصهيونية على عاتقها تحديات كبيرة بتحقيق الأهداف الثلاثة الأولى في وقت واحد، الفكرة التي بدت لأغلب اليهود جديدة وجريئة.

واشتملت هذه الأهداف أيضا على مشروع "جسور" للتحديث، إذ بلور الصهاينة رؤية طموحة لتحديث الأرض التي اعتبروها متخلفة، وزعموا أنها تتطلع للخلاص على يد المستوطنين من أوروبا. وبذلك مثلت دولة إسرائيل حالة تحديث قسرية من فصيلة الكولونيالية الغربية. وهي سياسة لم يرفضها العرب فقط، بل ورفضها التقليديون من السكان اليهود أيضا.

يقول رابكن؛ إن مؤسسي الحركة الصهيونية كانوا كلهم من منتجات التعليم الأوروبي، وتشبعوا بأفكار الإنتلجنسيا الأوروبية المتداولة، ولم تكن مشكلتهم اقتصادية أو دينية. لكنهم فشلوا في اختراق المجتمع الراقي، ما حرمهم من منافع اجتماعية ونفسية، ومن الإحساس بالقبول الكامل. كانت الصهيونية من اختراع يهود مثقفين ومندمجين، أداروا ظهورهم للحاخامات، وتطلعوا صوب الحداثة، باحثين بإصرار عن علاج لقلقهم الوجودي، وهكذا زودت الصهيونية مروجيها الأوائل بالأمل في رفض الاندماج الفردي في سبيل رؤية أعرض لاندماج جمعي.

لكن الإحباطات الفردية لم تكن لتكفي بمفردها لإنشاء حركة جماهيرية، يقول رابكن، لولا أن تضافرت معها إرادة التنظيم السياسي، والإجرات الممنهجة المعادية لليهود. وهذا يفسر حصر مسقط الرأس الحقيقي للصهيونية العملية في أوروبا الشرقية وفي الامبراطورية الروسية في المقام الأول، التي تعود إليها، ولفترة تزيد عن القرن، أصول النخبة الصهيونية برمتها، ولاحقا الإسرائيلية. ولكن اليهود الروس لم يكونوا الجماعة الوحيدة التي حولها الاضطهاد إلى الصهيونية، فقد هاجر بعد العام 1933 العديد من اليهود الألمان إلى فلسطين، ولم يكونوا قبل ذلك يكترثون بالحركة الصهيونية بل وناصبوها العداء.

 يلفت رابكن إلى أنه رغم ما احتلته الإبادة النازية المنظمة لليهود، خلال الحرب العالمية الثانية، وما زالت، من مكانة مركزية في الخطاب الصهيوني، تشير نقاشات داخلية بوضوح إلى أن الصهيونية لم تكن مشغولة بإنقاذ اليهود. وثمة عبارة تنسب إلى حاييم وايزمان يقول فيها: "لا شيء أكثر سطحية من القول بأن اليهود الروس سبب الصهيونية، كان الدافع الرئيس للصهيونية وما زال المسعى الذي لا يقهر للحصول على مركز قومي".

وحتى قبل اندلاع الحرب العالمية، حاول الصهاينة عرقلة الجهود الدبلوماسية لإيجاد ملاذ للاجئين اليهود. وفي الرد على نداء لمساعدة يهود أوروبا، أجاب إسحق جرونباوم، وهو قائد صهيوني بارز، ووزير للداخلية بعد قيام إسرائيل: "بقرة في فلسطين أهم من كل اليهود في بولندا".

ووقت الحرب رفض مسؤول صهيوني آخر، صول ماير، دفع الأموال للنازيين لإنقاذ آلاف اليهود، قائلا: إذا لم يكن لدينا ما يكفي من الضحايا ، فلن يكون لدينا الحق في المطالبة بدولة مستقلة.. لن نحصل على الأرض إلا بالدم".

يقول رابكن؛ إن الفترة من 1930 ـ 1939 اتسمت بصعود الاشتراكية القومية في ألمانيا والفاشية في أماكن أخرى في أوروبا. وفي حين شكلت الفاشية الإيطالية إزعاجا صغيرا لليهود الإيطاليين، التحق العديد منهم بحركة موسوليني قبل العام 1938، رغم أن معظم الحركات الفاشية كانت صريحة في عدائها للسامية. وقد تعاونت بعض هذه الحركات خاصة في بولندا وألمانيا مع الصهاينة، لا بتمكينهم من التدريب العسكري والزراعي وحسب، ولكن بتشجيع اليهود على الهجرة من أوطانهم أيضا. لقد تساوق المشروع الصهيوني مع رغبة المعادين للسامية في التخلص من يهود أوروبا.

وحدة هشة

مع إنشاء دولة إسرائيل، تحولت معارضة الأيديولوجيا الصهيونية إلى معارضة للدولة؛ فأغلب المقيمين الحريديم في فلسطين مواطنون إسرائيليون، ولكن تعاملهم مع الدولة لا يجعل قبولها مشروعا أو مرغوبا. لقد قبلوا دولة إسرائيل كأمر واقع، وفقط لكونهم جماعة يهودية تحتاج خدمات اجتماعية توفرها الدولة، وهم يرفضون الفكر الصهيوني سواء العلماني أو الديني، ولا يحتفلون بعيد الاستقلال، أو أي أعياد رسمية أخرى، ولا يخدم أبناؤهم في الجيش الإسرائيلي.

رغم ما احتلته الإبادة النازية المنظمة لليهود، خلال الحرب العالمية الثانية، وما زالت، من مكانة مركزية في الخطاب الصهيوني، تشير نقاشات داخلية بوضوح إلى أن الصهيونية لم تكن مشغولة بإنقاذ اليهود.
وقد سهّل إنكار أي قيمة يهودية لدولة إسرائيل على بعض الحريديم إمكانية التعامل معها على طريقة التعامل مع أي دولة أخرى، لذا برر بعض قادتهم المشاركة في الحكومات الإسرائيلية بالقول؛ إن اليهود ممن واصلوا العيش في المنفى، أرسلوا دائما ممثلين عنهم للتعاطي مع القادة السياسيي؛ن حماية لمصالح الجماعة اليهودية.

من جهة أخرى يشير رابكن، إلى أن مساءلة المسلمات الصهيونية، الأمر المقترن بتعبير "ما بعد الصهيونية"، أدت إلى استقطاب كبير داخل المجتمع الإسرائيلي. وقد تركت هذه العملية بصمتها على عوالم الأدب، والمسرح، والسينما، وعلى الثقافة القومية برمتها. وعلى الرغم من أن قلة من المثقفين الإسرائيليين تجرؤوا على الانتساب إلى ما بعد الصهيونية، إلا أن الدراسات النقدية للمجتمع الإسرائيلي تواصل تقويض الأساطير المؤسسة للصهيونية، والهجوم على مؤسساتها والأيديولوجيا التي تقوم عليها.

في المقابل، رغم التهاون بشأن تساؤلات تمس السياسة الإسرائيلية أحيانا، يتم نزع الشرعية عن كل نقد جوهري للصهيونية، بل وعن كل شخص تجرأ على بلورة نقد كهذا، ويتم عزل هؤلاء بطريقة منهجية عن الفعاليات الاجتماعية، وتعرقل الخشية التي يبديها الكثير من اليهود، بشأن مستقبل إسرائيل أي نقاش صريح. ويوضح رابكن أنه يسهل تفسير هذا النوع من الحساسية لأي نقد بحقيقة أن الولاء لإسرائيل بالنسبة للكثيرين، حل محل اليهودية، كمركز للثقل في الهوية اليهودية.

يقول رابكن؛ إن اليهود الإسرائيليين لا يتفقون فيما بينهم حول طبيعة الدولة، وما يصون وحدتهم "الهشة" هو الخوف، وذهنية الحصار التي غالبا ما تتخذ شكل قومية الضحية المتمركزة على ذاتها للحيلولة دون تكرار الإبادة النازية. لذا؛ أصبحت ذكرى المأساة الأوروبية واحدة من صيحات تعبئة الإسرائيليين للالتفاف حول القضية الصهيونية. لكن الخوف يطلق أيضا ردود فعل أخرى، فالعديد من الإسرائيليين يفضل الهجرة، وبناء حياتهم من جديد في مكان آخر، غالبا في أوروبا. وفي الوقت نفسه يبدو مفهوم "دولة يهودية" في نظر عدد متزايد من اليهود الشباب غريبا، وبلا معنى.

وفي الوقت الحاضر، فإن فكرة أن إسرائيل تجسد الوعد الإلهي للشعب اليهودي، هي أوسع انتشارا في المجتمع الأمريكي ككل، منها بين اليهود الأمريكيين، فتصل النسبة بين الإنجيليين البيض إلى 82%، بينما تبلغ بين اليهود الأمريكيين 40%، وهو ما يعيدنا إلى حقيقة أن أصول الصهيونية بروتستانتية.