اقتصاد دولي

هل يهدد ممر بحر الشمال مستقبل قناة السويس؟

يمر في القناة نحو 12 بالمئة من مجمل التجارة العالمية بحريا- جيتي
خلال السنوات الماضية خرجت للواجهة العديد من المشروعات العالمية العملاقة المنافسة لممر "قناة السويس"، الذي يصل البحرين الأحمر والمتوسط عبر الأراضي المصرية ممثلا الطريق البحري الأقصر عالميا بين الشرق والغرب.

ويمر بالقناة نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية، ما اعتبرها خبراء مشروعات مهددة لمستقبل القناة التي تدر دخلا سنويا معقولا للمصريين.

ورغم تتابع الإعلان عن تلك المشروعات، (صينية، وروسية، وأمريكية، وإيرانية، وعربية، وإسرائيلية)، إلا أن الحكومة المصرية لم تأخذ تلك التهديدات على محمل الجد، ليأتي إعلان روسيا الجمعة الماضية، عن وصول أول سفينة من الصين عن "طريق بحر الشمال" الذي يربط آسيا بأوروبا عبر القطب الشمالي، ليمثل صدمة حقيقية، وخطوة لها تبعاتها السلبية على القناة المصرية، وفق متحدثين لـ"عربي21".


"أرخص وأسرع"
وبرغم العلاقات الجيدة بين القاهرة وموسكو، والمشروعات المشتركة بين الجانبين ومنها بناء الأخيرة "محطة الضبعة النووية" شمالي مصر، إلا أن روسيا تقول عن مشروعها إنه طريق أرخص وأسرع من المرور بقناة السويس، الأمر الذي يمثل تحديا مباشرا للحكومة المصرية ويفرض عليها طرح الحلول البديلة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وتأمل روسيا، خلال مشروعها أن يتمكن هذا الطريق عبر القطب الشمالي، والذي أصبح سالكا أكثر بفعل ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد، من أن ينافس في المستقبل قناة السويس في تجارة المحروقات على وجه الخصوص، وفق ما نقلته وكالة "فرانس برس".


الحاكم الإقليمي أنتون أليخانوف، أعلن أن أول سفينة صينية وصلت إلى كالينينغراد عبر طريق بحر الشمال، الجمعة، موضحا أن السفينة غادرت ميناء شنغهاي الصيني عبر أرخانغيلسك (شمال روسيا)، قبل وصولها إلى بالتييسك في كالينينغراد، على أبواب الاتحاد الأوروبي.

وتخطط شركات النقل لضمان إمكانية استخدام هذا الطريق بشكل دائم، وهو يسمى أيضا الممر الشمالي الشرقي، فيما قال المسؤول الروسي إن بلاده منذ سنوات، تقوم ببناء البنية التحتية للموانئ، ومنشآت الغاز الطبيعي المسال، وكاسحات الجليد.

وفي آب/ أغسطس 2018، أعلنت شركة "ميرسك" أكبر شركة لشحن الحاويات بالعالم، عزمها إرسال أول سفينة شحن من شرق آسيا إلى أوروبا عبر ممر بحر الشمال الروسي، بدلا من قناة السويس، خاصة وأن الطريق الجديد يختصر الطريق التجاري ورحلات النقل بين آسيا وأوربا إلى نحو أسبوعين.

"بعض الأمل"
وفي تعليقها منحت "فرانس برس"، المصريين بعضا من الأمل بألا يقضي هذا الطريق على مستقبل قناة السويس، بقولها إن "التنقل في الظروف القاسية للقطب الشمالي يظل تحديا كبيرا، ولا يزال هذا الطريق بعيدا جدا عن أن يحل محل قناة السويس".

وتظل التكلفة العالية للرحلات أحد العوائق أمام الناقلات وشركات الشحن، وذلك إلى جانب هطول الجليد شتاء وحاجة السفن المارة إلى كاسحات جليد مصاحبة لها، كما أن الممر لا يمكنه تحمل مرور السفن العملاقة التي تمر بقناة السويس، فيما يخلو الطريق على طوله من الأسواق والخدمات، وذلك وفق تقرير لصحيفة "فاينانشيال تايمز "، آب/ أغسطس 2018.

ولقناة السويس التي جرى افتتاحها أمام التجارة العالمية 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1869، أهمية لدى ملايين المصريين، الذين استقر في وعيهم الجمعي حفر أجدادهم لها، وطمع القوى العالمية بها مع تعرضها للاعتداء الأجنبي عامي 1956، و1967، وذلك بجانب قيمتها كمصدر للدخل القومي كونها مجرى ملاحيا يمر به نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية.

ولذلك فإن الإعلان الروسي، والمشروعات المتتابعة تدعو للتساؤل، عن مدى خطورة بداية عمل ممر الشمال، وتحويل طرق نقل البترول والغاز والتجارة بين روسيا والصين وبعض دول آسيا إلى أوروبا عن قناة السويس، وحول ما إذا كان هذا الطريق موسميا خلال الصيف أم أنه دائم ولدى روسيا البنية التحتية الكاملة لتشغيله مثل كاسحات الثلوج والموانئ.

كما يثار التساؤل بشأن حجم ما يمكن أن يخطفه ممر الشمال من التجارة العالمية التي تمر بقناة السويس، وعن إمكانية إنقاذ مصر لقناة السويس من تغول مشروعات النقل العالمية الجديدة مثل طريق الحرير، وممر بايدن، ومشروعات روسيا، وخطط إسرائيل، وغيرها.

الأولى بمصر
قال رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي الدكتور أشرف دوابه، إن "الصورة واضحة تماما بالنسبة لقناة السويس، وهناك عوامل عديدة تمثل تهديدات واضحة لمستقبل المجرى الملاحي الهام مصريا وعالميا".

الأكاديمي المصري ورئيس التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول، وفي حديثه لـ"عربي21"، أشار إلى التأثيرات السلبية الواضحة من تنفيذ أي مشروع دولي منافس لقناة السويس، ملمحا إلى "ممر بايدن"، الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال قمة العشرين الشهر الماضي.

ولفت كذلك إلى تأثير "ممر الشمال" الذي تتبناه روسيا على مستقبل الملاحة وحركة التجارة العالمية بقناة السويس، لكن الأكاديمي المصري يعتقد أنه "بالنسبة لوضع الممر الروسي فإنه قد يكون موسميا فقط"، نظرا لسقوط الجليد طوال فترة الشتاء.

وعن إمكانية إنقاذ مصر لقناة السويس من تغول مشروعات النقل العالمية الجديدة، قال دوابه: "كان الأولى بمصر عندما حفرت تفريعة قناة السويس عام 2015، بتكلفة نحو 64 مليار جنيه، أن تؤسس لمنطقة خدمات عالمية".

وأكد أنه "كان يجب أن تشمل تلك، منطقة خدمات كاملة للسفن القادمة عبر الممر الملاحي، وفي هذا الإطار كان يمكن أن تكون تلك الخدمات عامل جذب هاما لشركات الملاحة العالمية إلى جانب تنافسيتها كطريق قصير بالنسبة للتجارة العالمية بين الشرق والغرب".

"هنا تكمن الأزمة"
الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور أحمد ذكر الله، وفي إجابته على أسئلة "عربي21"، قال إن "طريق بحر الشمال يعتبر طريقا جديدا، لكن مع استمرار ذوبان الجليد بفعل التحرر العالمي أصبح هناك مشاهدة لتنامي كمية الحركة عبر هذا الطريق بالفترة الماضية".

خبير واستشاري التدريب ودراسات الجدوى، أضاف: "يتميز هذا الطريق بقصر المسافة وتوفير 40 بالمئة من الزمن المستغرق في رحلة البضاعة مقارنة بممر قناة السويس، ما يعني أنه يوفر الكثير من التكاليف للبضائع المختلفة".

"وبالتالي فإنه من المتوقع بالفترة القادمة زيادة الحركة عبر هذا الطريق وحدوث منافسة شديدة مع قناة السويس، من حيث التكلفة ومن حيث الزمن، وربما تضطر  هيئة قناة السويس لخفض التكلفة في الفترة القادمة، حال نجاح روسيا في تحويل المسار بشكل أو بآخر ناحية الطريق الجديد".

ولفت أستاذ الاقتصاد، بكلية التجارة، جامعة الأزهر، إلى المشكلة الأخرى وهي أن "هناك حالة من العداء الغربي مع روسيا تمخضت في الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت 24 شباط/ فبراير 2022، والاتجاه الجماعي الأوروبي لمحاربة روسيا وإمداد أوكرانيا بما تحتاجه من أسلحة وغيرها".

واستدرك: "إلا أنه يجب ألا ننسى أن التجارة هي التجارة، والجميع يسعى لتعظيم الأرباح؛ وبالتالي فإن تخفيض تكاليف النقل يصب لصالح المستهلك الغربي في النهاية، لا سيما في ظل التضخم المرتفع جدا الذي تعاني منه الدول الغربية ويئن منه المستهلك الغربي طوال الفترة الماضية".

وعن إمكانية وطرق مواجهة قناة السويس لمشروعات النقل العالمية الجديدة، يعتقد ذكر الله، أن "المشكلة هنا ليست في منافسة طريق جديد لقناة السويس بقدر أمور أخرى لأن الحديث عن هذه الطرق وحول منافسين جدد للقناة تكرر كثيرا في الآونة الأخيرة".

ويرى أن "الأخطر في هذا الطريق (ممر الشمال) أنه طريق بحري مثل قناة السويس، حيث لا يوجد به طرق نقل بري أو عبر قطارات سكة حديدية، أو كما هو الحال في طرق مستهدفة أخرى جرى الإعلان عنها".

ولكن الخبير المصري، يرى أن "المشكلة الأخرى والرئيسية تتمثل في إدارة قناة السويس نفسها، وكيف أن هذه القناة تمحورت حول ريعية النقل البحري دون الاتجاه نحو تعظيم الأرباح من قناة السويس والاستفادة من الممر ولوجستياته ولوجستيات المنطقة وما تملكه من إمكانيات جغرافية ولوجستية وإمداد وتخزين وتصنيع وغير ذلك".

وختم بالقول إن "الإهمال المتراكم في تطوير الممر الملاحي لقناة السويس في أشكال تجارية جديدة هو الذي يحدث مثل هذه التنافسية المرتفعة، وبالتالي أعتقد أن الأمور لا تسير إلى أفضل في ظل البطء الكبير في تحويل القناة إلى مصدر صناعي وتجاري عالمي وليس ممرا ملاحيا فقط".

"تسارع عالمي"
ومن المشروعات الروسية المنافسة لقناة السويس بخلاف ممر الشمال، يأتي الاتفاق الروسي الإيراني المُعلن في 17 أيار/ مايو الماضي، بهدف إنشاء خط سكة حديد على ساحل بحر قزوين، يربط البلدين بريا، ويسهل التجارة بينهما، ويعد معبرا لنقل السلع من شرق آسيا إلى شمال وغرب أوروبا، عبر إيران وروسيا.


حينها قال الجانب الروسي أيضا إن الخط الجديد المزمع إنشاؤه يمكن أن ينافس قناة السويس، بصفتها طريقا تجاريا عالميا رئيسا.

وتوقع بنك "VTB" المملوك للحكومة الروسية أن يصبح ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (الهند- إيران- روسيا) أحد طرق النقل الرئيسية في أوراسيا، مؤكدا أنه يوفر بديلا لقناة السويس، ويفتح فرصا اقتصادية جديدة للعلاقات التجارية بين دول الجنوب العالمي.

وفي 10 أيلول/ سبتمبر الماضي، وفي ظل تنافس أمريكي صيني على كعكة وطرق ومنافذ التجارة العالمية، أعلنت أمريكا والهند والسعودية والإمارات والأردن وكذلك إسرائيل عن خطة تدشين خط تجارة دولي جديد منافس لمشروع "الحزام والطريق" الصيني، ويربط نيودلهي والجزيرة العربية وتل أبيب مع قارة أوروبا.

المشروع، الذي تم استثناء مصر منه وينافس قناة السويس، وصفه بايدن، بأنه اتفاق "تاريخي" و"سيغيّر قواعد اللعبة"، ويتضمن إنشاء خطوط سكك حديدية ونقل بحري عبر موانئ عدة من الهند إلى أوروبا عبر الجزيرة العربية، مرورا نحو إسرائيل عبر "مضيق تيران" الذي أصبح ممرا دوليا بعد تنازل مصر عن جزيرتي "تيران" و"صنافير" للسعودية عام 2016.

وبجانب مشروع النقل الأمريكي الهندي الخليجي الإسرائيلي، أو ما يطلق عليه "ممر بايدن"، يأتي مشروع "مبادرة الحزام والطريق" الصينية، الذي أعلنت الصين 22 نيسان/ أبريل 2019، عن كامل تفاصيله حيث يجمع نحو 90 دولة بآسيا وأفريقيا وأوروبا عبر مشروعات نقل ملاحية وبرية تنافس قناة السويس، وتأكل من حصتها المستقبلية من التجارة العالمية.

مشروع لافت جرى الإعلان عنه أيضا، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، تحت اسم "ممر الشارقة – مرسين"، والذي يجمع بين الإمارات وإيران وتركيا لنقل البضائع إلى أوروبا، هو طريق التجارة الذي يحرم قناة السويس من شحنات نفط وغاز الخليج وإيران وغيرها من البضائع.

وهناك مشروع منافس أيضا، أُطلق في أيار/ مايو الماضي، ويحمل اسم "طريق التنمية" أو "القناة الجافة"، بين العراق وتركيا لنقل التجارة بين الخليج العربي جنوبا، وأوروبا شمالا، من ميناء "الفاو الكبير" بالعراق عبر خط سكك حديد فائق السرعة إلى تركيا، ما يحرم قناة السويس المصرية من مرور ناقلات نفط العراق والخليج.

"غضب وانتقادات"
وأعرب مصريون عن صدمتهم بعد خبر تسيير أول ناقلة من الصين إلى أوروبا عبر الممر الروسي، فيما انتقد البعض رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، وحملوه مسؤولية ما قد يحدث لقناة السويس، فيما سخر البعض منه بقوله: "النحس  راكب على البلد"، في إشارة إلى السيسي.