ملفات وتقارير

تصريحان وتسريبان يستدعيان لجان السيسي للدفاع عنه.. ماذا يجري؟

الاقتصاد المصري واجه ضغوطات كبيرة أثارت غضب الناس- جيتي
تصريحان وتسريبان انتشرت مؤخرا وكانت سببا في اهتزاز صورة رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، ما استدعى حشد اللجان الإلكترونية للدفاع عنه، والحديث عن أنه يواجه بشجاعة كل الضغوط الإسرائيلية المفروضة عليه بشأن تهجير الفلسطينيين.

"المكسيكي"
التصريح الأول جاء الخميس الماضي، على لسان الرئيس الأمريكي جو باين، الذي قال فيه : "لم يرغب رئيس المكسيك، السيسي، في فتح البوابة للسماح بدخول المواد الإنسانية. لقد تحدثت معه. أنا أقنعته بفتح البوابة".



تصريح بايدن أثار جدلا، واعتبره مراقبون كاشفا عن دور السيسي في خنق قطاع غزة ومحاصرته دعما للاحتلال الإسرائيلي الذي يشن حربا دموية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، فيما استدعى التصريح ردا مصريا رسميا الجمعة، أكد على استمرار فتح المعبر، دون أن يستنكر حديث بايدن أو يكذبه.



"40 دبابة"

التصريح الثاني جاء السبت الماضي، حيث نقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين أمنيين مصريين قولهما إن القاهرة أرسلت نحو 40 دبابة وناقلة جند مدرعة لشمال شرق سيناء الأسبوعين الماضيين لتعزيز الأمن على حدودها مع غزة.

‌وهو التصريح الذي استغلته اللجان الإلكترونية لنظام السيسي، عبر مواقع التواصل، لتخويف المصريين من مواجهة محتملة مع إسرائيل، ما رد عليه مراقبون بأنها محاولات للفت أنظار المصريين عن أوضاعهم المعيشية الصعبة وامتصاص حالة الغضب الشعبي.


"خلافات في المجلس العسكري"
أما التسريب الأول فهو ما نشرته "عربي21"، الجمعة، من أن المجلس العسكري في مصر يشهد خلافات تجاه طريقة الرد على تحركات دولة الاحتلال في محور صلاح الدين "فيلادلفيا"، على الحدود بين قطاع غزة ومصر.

‌وأكدت مصادر لـ"عربي21" أنه خلال اجتماع السيسي، ووزير الدفاع محمد زكي، ورئيس الأركان أسامة عسكر، ومديرا الاستخبارات الحربية، والعامة، شريف فكري، وعباس كامل، فإنه حدث خلاف حول الرد المصري على العملية البرية الإسرائيلية المحتملة على مدينة رفح ومحور صلاح الدين.

‌وألمحت المصادر بأن فريقا بقيادة السيسي، وزكي، وكامل، رأى أن يكون الرد سياسيا بحتا، وأن الفريق الثاني بقيادة أسامة عسكر، رأى ضرورة التعامل العسكري الحازم للدفاع عن الأمن القومي المصري.

"مساعدة إماراتية"
التسريب الثاني نشرته أيضا "عربي21" السبت، وفحواه أن رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد قدم مساعدات مالية عاجلة لمصر بهدف اتخاذ بعض الإجراءات لتخفيف الاحتقان الشعبي المتنامي ضد السيسي، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية.

ويعاني السيسي، رئيس نظام أكبر دولة عربية سكانا، وصاحبة ثالث أكبر اقتصاد بإقليم الشرق الأوسط، والشريك الهام والرئيسي للإمارات والسعودية و"إسرائيل" وداعمي الأخيرة في أوروبا وأمريكا، من أزمات اقتصادية خطيرة قد تطيح بنظامه، ما يقلق داعميه الإقليميين والدوليين.

‌ومع تفاقم الأزمة المصرية وخلال الأيام الماضية، فقد بدا أن هناك تحركا دوليا وإقليميا لدعم السيسي مجددا، تمثل في عودة خليجية للإقبال على الطروحات المصرية، وفي حصول "المجموعة الاستثمارية كونسورتيوم" الإماراتية على عقد تطوير مدينة رأس الحكمة السياحية (شمال غرب)، باستثمارات 22 مليار دولار.

‌وبعد غياب صندوق النقد الدولي عن 3 مراجعات لاقتصاد مصر العام الماضي لأجل تنفيذ قرض بـ3 مليارات دولار، فقد تعثرت إجراءاته منذ توقيعه في كانون الأول/ ديسمبر 2022، حضرت بعثة الصندوق للقاهرة نهاية الشهر الماضي، وأعلنت أنها حققت تقدما وصفته بـ"الممتاز"، حول زيادة التمويل لمصر لما بين 10 و12 مليار دولار، بمشاركة شريكين إقليميين هما السعودية والإمارات.


‌"اللجان والتفويض"
التصريحان والتسريبان استدعت بشكل عاجل وسريع رد شخصيات سياسية وإعلامية للحديث عن تفويض جديد للسيسي، والزعم باحتمالات وقوع حرب ومواجهات مع "إسرائيل"، وللدفاع عن صورة السيسي، وخاصة بعد تسمية بايدن له بالرئيس المكسيكي، بالخطأ، وما تبع ذلك من سخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

‌البرلماني والصحفي مصطفى بكري كتب يقول عبر منصة "إكس": "كل وطني شريف يقف خلف الجيش والقائد"، وأضاف: "لقد فوضنا الرئيس السيسي القائد الأعلى للقوات المسلحة باتخاذ ما يراه مناسبا للدفاع عن الأمن القومي، وحماية الحدود"، و"نثق بحكمة الرئيس وإدارته للأزمة الراهنة، ومواجهة التهديدات الإسرائيلية باجتياح رفع، وتهجير الفلسطينيين".


ودافعت الإعلامية هالة سرحان عن السيسي بقولها عبر "إكس": "لقد أثبت الرئيس السيسي للعالم أنه القائد أسد الأسود حقا"، مضيفة أنه "تصدى منذ أول دقيقة للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني الأعزل، وقاتل من أجل إدخال المساعدات"، وتابعت: "نادى منذ اليوم الأول لهذه الحرب برفض التهجير القسري والاستبسال في الدفاع عن كل شبر من أرض مصر وسيناء".

البرلماني ومؤسس حملة "تمرد" محمود بدر، الشهير بـ"بانجو"، زعم أن "كل مصر تقف خلف القيادة السياسية والقوات المسلحة المصرية في كل خطواتها لمواجهة إسرائيل واجتياحها لمدينة رفح الفلسطينية وتهجير أهالي غزة، واحتمال إنهاء اتفاقية السلام"، فيما اعتبر التسريبات حول وجود خلافات داخل القوات المسلحة وقياداتها ترويجا من جماعة الإخوان المسلمين.


‌وعلى الجانب الآخر، تتواصل الدعاوى المطالبة للمصريين بالثورة على نظام السيسي، وبينها مقطع فيديو تداوله نشطاء للأستاذ الجامعي الأمريكي دكتور كيفين برايت، الذي دعا الشعب المصري إ++لى الثورة على السيسي.


وغيرها من المقاطع التي تدعو المصريين للثورة على السيسي.


"عربي21" تحدثت إلى سياسي مصري وخبير أمني حول دلالات استدعاء نظام السيسي لجانه للدفاع عنه وتحسين صورته، ودلالات ذلك في ظل الأوضاع المتوترة التي تعيشها مصر والمنطقة.

"حشد لامتصاص الغضب"
وقال السياسي المصري والبرلماني السابق الدكتور ثروت نافع: "أعتقد أن بايدن يكذب (بخصوص معبر رفح)، لأن الموقف المصري كان واضحا منذ البداية، ورفض دخول حاملي الجنسيات الأخرى من معبر رفح حتى السماح بعبور المساعدات لإخواننا في فلسطين".

مؤسس الحركة الليبرالية المصرية، أوضح لـ"عربي21" أن "هذا الموقف أعلنته الخارجية الأمريكية -خارجية بايدن- والإعلام الأمريكي والغربي، بأنهم كانوا يحاولون ومصر كانت ترفض إلا بعد دخول المساعدات، لذا فما قاله بايدن خال من الصدق والصحة طبقا لتصريحات الأمريكيين".

وأضاف: "أما عن احتمال وجود خلاف داخل المجلس العسكري، فأوضحت أكثر من مرة أنه لا يوجد شيء اسمه خلاف داخل القوات المسلحة مع رئيس الجمهورية، وهذا لم يحدث في مصر إلا مرات قليلة جدا، وكانت تداعياتها كبيرة جدا".


ولفت إلى "خلاف الرئيس جمال عبدالناصر ووزير دفاعه عبدالحكيم عامر، وخلاف رئيس الأركان الفريق الشاذلي مع وزير الدفاع المشير أحمد إسماعيل ثم مع الرئيس أنور السادات".

‌عضو لجنة الدفاع والأمن القومي والعلاقات الدولية بالبرلمان المصري سابقا، أكد أن "نظام السيسي يسيطر تماما على كافة السلطات، ويمكنه تغيير رئيس الأركان في لحظة، وفعل ذلك أكثر من مرة".

ويرى أنه "ليس هناك وجود لفكرة الخلاف مثل الدول الديمقراطية، وأعتقد أنها محاولة تشابه ما يحدث داخل أروقة إسرائيل، وهي بالطبع دولة سياسيا ديمقراطية في ذاتها، ولكن هذا موضوع به بروباغندا".

ويعتقد نافع، أن "فكرة حشد قوات مصرية على حدود معبر رفح لا تحدث ولن يكون هناك حشد للقوات المصرية إلا طبقا لاتفاقية (كامب ديفيد 1978)، ما يعني أنه لا بد من وجود تنسيق مع إسرائيل على ذلك".

‌وأوضح أنه "ليس لدينا المعلومات الكافية عن كيفية الحشد ولا أسبابه، وربما يكون لتأمين المعبر، وتأمين الحدود في حالة الاعتداء الغاشم المطروح من قبل القوات الإسرائيلية على رفح".

‌أما حشد اللجان الإلكترونية للدفاع عن السيسي، فقال السياسي المصري إنها "مسألة ليست بجديدة، وفي ظل الحالة الاقتصادية المتدهورة جدا لا بد لأي سلطة مطلقة أن تُوجد أعداء ومؤامرات وأشياء حتى تكون سببا في هذا الفشل الاقتصادي الذريع في مصر".

‌وأضاف: "من هذه الأسباب تأتي فكرة حشد الحديث عن المؤامرة، والادعاء بأن هناك مؤامرة، وتكبير حجم المؤامرة، حتى يهدأ الغضب الشعبي المتراكم بسبب الحالة الاقتصادية، ثم الحالة السياسية، ثم الوضع المتردي على الحدود مع إخواننا في فلسطين".

وألمح إلى أن "موقف مصر كان واضحا من فكرة تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، وهذا يمكن أن يكون قد سبب حالة من حالات التوتر في العلاقات السياسية بين مصر وإسرائيل، لأن الأخيرة تدفع الفلسطينيين إلى الهجرة وتدفع الفلسطينيين إلى نكبة جديدة في سيناء".

‌وأضاف: "هناك حالة من حالات الغضب داخل الإدارة المصرية، وتلمح بهذا إلى الإدارات الغربية"، مبينا أن "هذا من بعض الدلالات حول فكرة وجود تصريحات حول وجود حشد عسكري مصري على الحدود مع غزة، ولا بد أن نستعد، والحشد الإعلامي الظاهر الآن بأنه ربما يكون هناك حرب بين مصر وإسرائيل".

‌وختم نافع تصريحه بالتأكيد على أنه يستبعد تماما "فكرة الحرب بين مصر وإسرائيل، ولكن هناك بالفعل توتر سياسي بينهما بسبب تعنت إسرائيل ورغبتها في عمل هجرة جديدة للفلسطينيين داخل سيناء".

"نهج السيسي"
وفي تقديره، قال الباحث في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية أحمد مولانا: "موضوع وجود خلافات داخل المجلس العسكري غير مؤكد، ومن المحتمل وجود اختلاف في وجهات النظر حول الشكل الأمثل في التعامل مع التهديدات الإسرائيلية لرفح".

‌وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "لكن النهج العام للسيسي هو تجنب أي صدام مع إسرائيل، وتنفيذ توجيهاتها كما هو الحال في معبر رفح"، مشيرا إلى أن "كلام بايدن يبدو صحيحا، ففي الأيام الأولى للحرب وضع الجيش المصري حواجز أسمنتية أمام المعبر لإغلاقه ثم رفعها لاحقا".

ويرى مولانا أن "القوات المصرية المحتشدة، هي دبابات قديمة ومدرعات بعدد محدود، ويبدو أنها للتصدي لأي محاولات نزوح فلسطينية حال الشروع في هجوم على رفح".

ويعتقد أن "الرفض المصري لأي عملية في رفح، لا تعضده أية إجراءات عملية من قبيل تسهيل مرور المساعدات عبر المعبر أو خروج الجرحى للعلاج، ولذا فهي أقرب لأن تكون تصريحات دعائية هدفها الداخل المصري لرفع الحرج عن نظام السيسي".

وختم الباحث المصري بالقول: "السيسي كنز استراتيجي لإسرائيل، والإمارات توظف الأزمة الاقتصادية في مصر للسيطرة على أماكن استراتيجية وأصول وشركات بأسعار منخفضة، فمن جهة تدعم السيسي، ومن جهة تحصل على مكاسب اقتصادية".


"صندوق أسود"
في رؤيته عن وجود خلاف داخل "المجلس العسكري" أو بين رئيس الأركان ووزير الدفاع أو رئيس الجمهورية، قال الإعلامي حافظ الميرازي، أن "تلك التوازنات وهوامش الاختلاف بين رموز الدولة كانت ممكنة في زمن حسني مبارك، وازدادت في عهد محمد مرسي".

واستدرك: "لكن منذ أطاح وزير الدفاع السيسي في 2013 برئيس الدولة، وحتى قبل توليه الرئاسة، فإنه لم يعد في مصر إلا صوت واحد، ولم يعد بإمكان أي رتبة عسكرية في الخدمة أو خارجها إبداء رأي مخالف أو الترشح لمنصب أو حتى الاستقالة منه بدون إذن...".

وأكد أننا "نتعامل مع صندوق أسود، وحكم فرد، لا يُسمح فيه بالاختلاف في الرأي ولو بغرفة مغلقة، طالما يعرف صاحبها أنها ستصل أسماع (الحاكم بأمر القوة)".