ملفات وتقارير

غسل سمعة آل مبارك.. بحوار عاطفي لـ"سوزان مبارك"

استلمت مبارك عددا من المناصب الخيرية بعد تولي زوجها الحكم (أرشيفية) - أ ف ب
عدّ مراقبون الحديث الإعلامي المطول، الذي أجرته الكاتبة الكويتية فجر السعيد مع سوزان مبارك، قرينة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، محاولة لغسل سمعة آل مبارك، سواء هي أو زوجها أو نجليها وتبرئتهم معنويا، بعد أن برأتهم المحكمة ماديا، وذلك اعتمادا على خطاب عاطفي، تعمدت مبارك استخدامه، وأبرزته السعيد في حوارها الذي نشرته على هيئة "تغريدات"، طيلة الأيام الماضية، بحسابها على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".
 
واستخدمت سوزان مبارك عبارات مثل: "حسبي الله ونعم الوكيل"، و"لم نكن نسعى إلى توريث الحكم"، و"العمل الخيري العام كان يأخذ كل وقتي"، داعية إلى التوقف عن"ظلمها وأسرتها"، مؤكدة أنهم لم يعودوا يرغبون في شيء سوى "لم شمل الأسرة"، ما جعل نشطاء يسخرون على مواقع التواصل الاجتماعي من هذه اللغة العاطفية الممزوجة بخطاب ديني، في وقت يعرف فيه الجميع عنها مدى جفائها، وحدة طبعها، وحتى اختلاسها للمال العام.
 
فكثيرا ما طالب الثوار، عقب ثورة 25 يناير 2011، بإيداع سوزان مبارك السجن، لا سيما بعد ثبوت تلاعبها بأموال مكتبة الإسكندرية قانونيا، لكن المجلس العسكري الذي تولى حكم البلاد بعد الثورة، تجاهلها، ورأى في المساس بها إمعانا في إذلال حسني مبارك، لن يقبل به حكام الخليج، وتحديدا: الإمارات، والسعودية، والكويت، الداعمين الأساسيين لحكم العسكر في مصر.
 
وقيما يبدو أنه إخراج إعلامي مدروس وممنهج، وانتهاز لفرصة ذهبية، تتمثل في انتصار مؤقت حققته الثورة المضادة في مصر حاليا، تحاول في إطاره دولة مبارك العمل بكامل مفاعيلها، تبارت الصحف المصرية، على مدى الأيام الماضية، في نشر مقتطفات من حوار سوزان مع السعيد على هيئة حلقات، بعناوين مثيرة، مِلؤها العاطفة والإنسانية.
 
وهذا أول حوار تجريه "الهانم" -وهذا لقبها الذي كانت معروفة به طيلة حكم زوجها- منذ أربع سنوات، تعمدت فيها الاختفاء التام عن الأنظار، وعدم الإدلاء بأي حديث إعلامي.
 
كما استضافت إحدى الفضائيات فجر السعيد مساء الثلاثاء، إذ حرصت على أن تؤكد أنها لم تكن تحب سوزان مبارك، لكنها بعد أن جلست إليها أكثر من أربع ساعات، دون أن تحدد أين كان اللقاء، اكتشفت أن "هذه السيدة ظُلمت ظلما واضحا وبينا، وقلت لها وأنا خارجة: تسمحي لي أبوس راسك".
 
وأضافت السعيد: "لم ينته احترامي وتقديري لصمود هذه السيدة التي أُجزم بعد لقائي معها، بأنها لم تتدخل يوما في السياسة!".
 
وثائق ويكليكس: مسيحية وولاؤها لعقيدتها
 
وُلدت سوزان مبارك في 28 شباط/ فبراير عام 1941، لطبيب مصري وممرضة إنجليزية، من ويلز، وحصلت على الثانوية الأمريكية من مدرسة "سانت كلير" في مصر الجديدة، وشهادة البكالوريوس من الجامعة الأمريكية في القاهرة، وتمت خِطبتها إلى حسني مبارك فى تشرين الأول/ أكتوبر 1956، ثم عُقد قرانهما عام 1959، بعد خِطبة دامت ثلاث سنوات.
 
وبعد تولي مبارك الحكم خلفا للرئيس الراحل أنور السادات تولت عددا من المناصب الخيرية والعامة، حتى أبعدتهما ثورة 25 يناير في 2011 عن المناصب، وأدخلت زوجها السجن مع نجليه قبل أن يحصل على البراءة، وتعود للأضواء مجددا. 
 
وكانت صحيفة "المصري اليوم" نشرت في عددها الصادر الأحد 4 أيلول/ سبتمبر عام 2011، ونقلته عنها بوابة "الوفد" الإلكترونية، أن وثيقة سرية نشرها موقع ويكيليكس أكدت أن "سوزان ثابت إبراهيم"، قرينة الرئيس المخلوع حسنى مبارك، مسيحية الديانة، وأن ولاءها للدين المسيحي.
 
وأضافت الوثيقة -التي نشرت "المصري اليوم" صورة لها- أن مسيحيتها ظهرت في تدخلها في قوانين حماية المرأة، والزواج، والأحوال الشخصية، موضحة أن قرينة مبارك كان لديها نفوذ كبير في السياسة المصرية، وتدعم مجالات بعينها، كما كان لها دور بارز داخل المنظمات الحكومية وغير الحكومية التي تركز على قضايا التعليم .
 
وكشفت الوثيقة المكتوبة بتاريخ 26 أيار/ مايو 2005 أن زوجة الرئيس الأمريكي السابق، لورا بوش، عقدت اجتماعا خاصا مع سوزان مبارك يوم  23 أيار/ مايو 2005 بصحبة ليلى كمال الدين صلاح، زوجة وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط في قصر العروبة، واتفق الطرفان على عمل برنامج للطفل المصري برعاية أمريكية لزرع أفكار بتعاون مشترك مع منظمات أجنبية، وهو برنامج "عالم سمسم"، وتم إنشاؤه بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية  (USAID).
 
ملخص الحوار  
 
في الجزء السادس من حوارها، الذي نشرته الإعلامية الكويتية، في حسابها على تويتر، مساء الثلاثاء، لجأت سوزان ثابت، إلى أسلوب "الاستمالة العاطفية" للرأي العام، فقالت إن زوجها وأولادها في محنة، وإنها تعاني من جرح كبير.
 
وقالت: "جرحي كبير.. زوجي وأولادي في محنة.. وأنا مكتوفة اليد لا أستطع أن أساعدهم إلا بالدعاء بأن يفرج الله كربهم، ويجتمع شمل أسرتنا من جديد".
 
وفي الأجزاء الخمسة السابقة من الحوار، قالت سوزان مبارك: "لم أتدخل يوما في التشكيل الوزاري، وليس لي علاقة بالسياسة من الأساس، وكل ما قيل افتراء، وحسبنا الله ونعم الوكيل"، مؤكدة أنها لا تعرف من الوزراء إلا الخمسة الذين تعاملت معهم بحكم نشاطها التطوعي.
 
وتحدت من "يثبت أني في يوم كلمت مثلا وزير الداخلية أو الخارجية أو الدفاع أو أي من الوزراء الذين ليس لي علاقة عمل معهم".
 
وتابعت: "لا أستغرب مواقف بعض (السماويين) (الغلاويين) ذوي القلوب السوداء، ولكن استغرب من المتحولين، وما أكثرهم للأسف، وصُدمت وبشدة في البعض".
 
وأضافت: "أعتذر من كل من طلب مقابلتي، ولم أستطع لأني اعتزلت الحياة العامة، ولا أخرج من بيتي إلى أن ظهرت براءة زوجي وأولادي"، مضيفة أنها كانت تدعو الله أن "يطيل في عمر الرئيس مبارك ليعيش حتى يرى براءته من الاتهامات والأكاذيب"، على حد تعبيرها.
 
وتابعت: "أحتاج أن أحضن ابني، وأبكي على صدره، ولكن لا أستطع لأن انهياري سيؤلمهم، وهم بحاجة لمن يشد من أزرهم في محنتهم؛ لذلك أنا متماسكة حتى الآن"، مشيرة إلى أن "ربنا كريم معانا في جميع مراحل حياتنا، ورغم الصعاب دائما نجد الفرج من عنده.. لذلك كنت على ثقه أن الله سيظهر براءة زوجي، وأولادي".
 
وأكدت أن "الرئيس مبارك لم يكن زوجي فقط، بل هو رئيس الجمهورية، وكنت أتعامل معه وفق هذا المنظور، مواطنة ورئيس جمهورية، وكان لي حدود لا أتخطاها"، متابعة: "أتيحت الفرصة لعلاء وجمال بالخروج من مصر، ولكنهم رفضوا الخروج، لأن خروجهم سيُفسر بأنه هروب من المواجهة، ولم نربهم على الهروب"، حسبما قالت.
 
وتابعت: "ابني جمال كان يقول: لو خرجت من بلدي كيف ستنظر لي ابنتي عندما تكبر، وتكتشف أن أباها هرب، وهو مُتهم، وهل تقبلي أن أعيش هاربا طول حياتي؟"، مشددة على أن "علاء وجمال أصروا على المواجهة إلى البراءة بإذن الله.. لأنهم واثقون بأنهم لم يفعلوا شيئا يُعاقبون عليه، ولا يهرب إلا المخطئ أو الجبان"، وفق وصفها.
 
وقالت: "جهاز الكسب المشروع حقق معي، واستغربت التهم التي تم تلفيقها لي؛ فعملي الخيري لخدمة بلدي لم يكن للتكسب، ولم يدخل جيبي قرش حرام"، مضيفة: "أحلم باليوم الذي تجتمع فيه عائلتي الصغيرة من جديد، ولا أراه بعيدا..  فربنا لا يقبل الظلم، ولابد أن يظهر الحق، ولو بعد حين."
 
وقالت: "قد لا يحبني البعض لأي سبب كان، ولكن أن يُنكروا إنجازاتي في العمل الخيري فهذا ظلم بين."
 
وأشادت بالحكومة الحالية، فقالت: "في قلبي غصة لا أستطع إخفاءها،  ولكن مع هذا أنا متفائلة بأن مصر ستعود أجمل مما كانت، والقادم أفضل بقيادة الرئيس السيسي"، معربة -في الوقت ذاته- عن حزنها عندما لم يذكر السيسي اسم مبارك فى احتفالات أكتوبر، كما ذكر باقى أسماء أبطال الحرب.
 
ومضت في مزاعمها: "كنت أعمل ليل نهار بلا كلل أو ملل في العمل الخيري، وخدمت مصر، لأن خدمة الوطن واجبة على كل من يحمل الوطن بداخله."
 
وقالت: "لا يمكن أن أنسى مواقف أم الشيوخ الشيخة فاطمة بنت مبارك معي، ومع أسرتي الصغيرة.. فهي بالنسبة لي أكثر من أخت، ولها كل التقدير والاحترام."
 
وأضافت: "وجهت لي أم الشيوخ الشيخة فاطمة بنت مبارك الدعوة، ولأكثر من مرة للإمارات، ولكني لا أستطع ترك زوجي وأولادي، وهم في محنة"، وفق قولها.
 
واختتمت حوارها بالقول: "بدأت بالفعل في كتابة مذكراتي، وأفكر في تصويرها كبرنامج تسجيلي، رغم أني كائن لا يحب الكاميرا!"
 
سخرية الناشطين
 
من جهتهم، سخر الناشطون من الحوار، إذ قال أحدهم: "يا سلام على التقوى".. وقال ثان: "خلاص.. هاعيط من الإيمان والتقوى يا خال"، فيما قال ثالث: "للبجاحة عنوان"، وقال رابع: "فعلا.. اللي اختشوا ماتوا"، وقال خامس: "يا واد يا مؤمن"!
 
وقالت ناشطة: "اسألي مستشفى السرطان، وفيروس سي، وأنتى تعرفي مين الظالم"، وقال سابع: "عندك حق.. ما البلد كانت ماشية زي العسل.. الحديد لعز، والغاز لإسرائيل، والعيش مفيش"، وقال آخر: "فعلا دموع التماسيح.. وكم من مواطن قتلتم،  وكم من مواطن توفي بالسرطان، وكم.. وكم".
 
وتعجب نشطاء مما عدّوه "جبروت" هذه المرأة، وقدرتها على الإدلاء بتصريحات، والظهور من جديد في الإعلام، كأنّ شيئا لم يكن، وكأن المصريين لم يذوقوا المُر على يد زوجها وأسرتها، أو كأن دماء شهداء ثورة 25 يناير.. ماء!
 
نيويورك تايمز: سوزان ترمم صورة مبارك
 
حوار سوزان مبارك جذب انتباه صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فنشرت تقريرا الثلاثاء بعنوان: "سوزان تنطق وترمم صورة مبارك"، أشارت فيه إلى أنها المرة الأولى التي تتحدث فيها سوزان منذ الإطاحة بنظام حكم مبارك، وأن تعليقاتها جاءت جزءًا من حملة لإعادة تحسين صورته.
 
وقالت الصحيفة: "بعد مرور نحو  أربع سنوات على الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بمبارك من السلطة، تظهر سوزان لتحتفل ببراءة زوجها، وذلك خلال حديثها للصحفية الكويتية الذي نُشر على شبكة الإنترنت."
 
وأضافت "نيويورك تايمز": "تلك المقابلة التي كسرت بها سوزان مبارك صمتا استمر طيلة أربعة أعوام، هيمنت على وسائل الإعلام المصرية، وعلى الرغم من الانتقادات اللاذعة التي طالما وجهتها وسائل الإعلام المصرية لعائلة مبارك في أعقاب الثورة، فإن نبرتها هذه المرة كانت محترمة!"
 
 وتابعت الصحيفة الأمريكية: "تقول سوزان: "لقد كنت أدعو الله أن يطيل في عمر مبارك ليعيش حتى يرى براءته من الاتهامات والأكاذيب".. في إشارة منها إلى القرارات الأخيرة للمحكمة بإسقاط تهم القتل، والفساد التي طالت مبارك في أعقاب الثورة."
 
 وخلصت "نيويورك تايمز" إلى القول إن الحكومة الحالية تؤمن بأن الوقت قد حان لرفع المظالم عن مبارك ودائرته، فمنذ وصوله لسدة السلطة، أحاط الرئيس عبدالفتاح السيسي، وهو القائد السابق للجيش، نفسه بمسؤولين من حكومة مبارك."
 
 ويُذكر أن الإعلامية والكاتبة الكويتية فجر السعيد، معروفة بموقفها المؤيد لمبارك والجيش المصري، ومعارضتها لجماعة "الإخوان المسلمين"، سواء من كتاباتها الصحفية، أو لقاءاتها الإعلامية، أو حسابها الرسمي على موقع "تويتر".
 
وترى السعيد أن للرئيس المخلوع حسني مبارك، جميلا لدى بلادها، هو وقوفه بجانبها أثناء غزو العراق لها، ومن هذه النقطة تبرر دفاعها الدائم عنه، وهو ما ظهر -فيما يبدو، كما يقول مراقبون- في تغريداتها السعيدة بحكم "البراءة" لمبارك، ووزير داخليته "حبيب العادلي"، ومسؤولي أمنه.