تقارير

سميح القاسم.. بقي "منتصب القامة" في الوطن رغم الاحتلال

سميح القاسم.. لم يغادر لم يتراجع، لم يشارك لم يقدّم تنازلات.. بقي منتصب القامة وشوكة في عين الاحتلال

سميح القاسم، هو أحد الأعمدة الخمسة للشعر المقاوم تحت الاحتلال في فلسطين، سبقه توفيق زياد وراشد حسين وسالم جبران، وشكّل مع رفيقه محمود درويش الثنائي الأشهر في الشعر الفلسطيني. ولم يخلُ الأمر من مقارنات دائمة، فأصبحا خيارين مجتمعين متكاملين أو منفصلين متفاضلين لكل محبي الشعر الفلسطيني المقاوِم.

لم يغادر، لم يتراجع، لم يشارك، لم يقدّم تنازلات، بقي "منتصب القامة" وشوكة في عين الاحتلال.
سُجن أكثر من مرة، كانت كلماته لهيباً تحرق الاحتلال، صمد، قاطَعَ، هاجمَ، فضح ممارسات الاحتلال، وأكد على صموده في وجه الظلم والضغط، فكتب "خطاب في سوق البطالة":

ربما أفقد ـ ما شئت ـ معاشي 
ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي 
ربما أعمل حجّاراً، وعتّالاً، وكناس شوارع 
ربما أبحث، في روث المواشي، 
عن حبوب ربما أخمد عرياناً، وجائع 
يا عدو الشمس لكن لن أساوم 
وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم 

ربما تسلبني آخر شبر من ترابي 
ربما تطعم للسجن شبابي 
ربما تسطو على ميراث جدي من أثاث وأوان وخواب 
ربما تحرق أشعاري وكتبي ربما تطعم لحمي للكلاب 
ربما تبقى على قريتنا كابوس رعب 
يا عدو الشمس لكن لن أساوم 
وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم.

وأكد على حتمية قتال الاحتلال والظلم من أجل الحرية، فخاطب عدوَّه:

للذي تقصف طياراته حلم الطفولة
للذي يكسر أقواس قزح..
يعلن الليلة أطفال الجذور المستحيلة
يعلن الليلة أطفال رفح..

نحن لم نبصق على وجه قتيلة
بعد أن ننزع أسنان الذهب
فلماذا تأخذ الحلوى وتُعطينا القنابل
ولماذا تحملُ اليُتمَ لأطفال العرب
بلغ الحزن بنا سن الرجولة..!
وعلينا أن نقاتل..

تميّز القاسم عن الخمسة الآخرين بغزارة الإنتاج والثبات في فلسطين، وله مقولة مشهورة في ذلك أنه لم يترك البلاد لأنه يحب نفسه أكثر، بل لأنه يحب البلاد أكثر.. بقي في فلسطين وأخذ على نفسه عهداً بالصمود، وأن يحكي الرواية الفلسطينية للمتبقين هناك:

أحكي للعالم أحكي لَهْ
عن بيتٍ كسروا قنديلَهْ
عن فأسٍ قتَلَتْ زَنبقَةً
وحَرِيقٍ أودى بجديلَهْ

وبلا شك، كانت وفاة سميح القاسم إعلاناً لغياب آخر الأعمدة الخمسة للنهضة الشعرية الثالثة في فلسطين، فهو "شاعر المقاومة الفلسطينية" وهو "شاعر القومية العربية" وهو "الشاعر العملاق" وفق الناقد اللبناني محمد دكروب، وهو "شاعر الغضب الثوري" حسب الناقد المصري رجاء النقاش، وهو "شاعر الملاحم" و"شاعر المواقف الدرامية" و"شاعر الصراع" حسب الدكتور عبد الرحمن ياغي، وهو "ماردٌ سُجنَ في قمقم" كما يقول الدكتور ميشال سليمان، وشاعر "البناء الأوركسترالي للقصيدة" حسب تعبير الناقد شوقي خميس.

فمن هو شاعرنا؟

هو سميح محمد القاسم الحسين، وُلد في مدينة الزرقاء الأردنية عام 1939، ثم عاش طفولته في قرية الرامة بفلسطين. تلقى تعليمه في فلسطين، في مدرسة الرامة من عام 1949 حتى عام 1953. درس في مدرسة البلدية الثانوية من عام 1953 حتى عام 1955. درس في كلية تيرا سانتا ما بين عام 1955 حتى عام 1957. سافر إلى موسكو إذ درس لمدة عام في معهد العلوم الاجتماعية.

 



عمل القاسم في عدد متنوع من الوظائف، فامتهن التدريس ودرّس في مدارس ابتدائية في الجليل والكرمل، وعمل في حيفا مساعد لحام كهربائي، في المنطقة الصناعية. عمل عامل محطة وقود ومفتش في دائرة التخطيط العمراني.

وعندما ذاع صيته بعد ظهور ديوانَيْه الأول والثاني، بدأ العمل كصحفي بناءً على دعوة من هيئة تحرير مجلة "الغد"، وما لبث أن استقال منها. ودعته هيئة تحرير صحيفة "الاتحاد" اليومية في حيفا للانضمام إليها. ثم ترأس تحرير جريدة "هذا العالم" عام 1966. وثم أصبح سكرتير تحرير "الجديد" ثم رئيس تحريرها.

ساهم في إنشاء دار الأرابيسك للنشر في حيفا عام 1973، وأدار معهد الفنون الشعبية في حيفا. وترأس اتحاد الكتاب العرب في فلسطين لعدة سنوات. ثم أصبح رئيس تحرير المجلة الفصلية الثقافية "إضاءات"، التي أصدرها بالتعاون مع الكاتب الدكتور نبيه القاسم. وكان رئيس التحرير الفخري لصحيفة "كل العرب" الصادرة في الناصرة.

كان عضو في لجنة المبادرة الدرزية وكذلك الأمر في اللجنة الوطنية للدفاع عن الأراضي العربية.
 
منذ بداياته الشعرية اتخذ الخط الوطني المقاوم للاحتلال منهجاً، وسُجِن أكثر من مرة، كما وُضِعَ رهن الإقامة الجبرية والاعتقال المنزلي، وطُرد من عمله عدة مرات بسبب نشاطه الشعري والسياسي وواجه تهديدات بالقتل، جعلت البعض يدعوه لمغادرة فلسطين، فرفض تركها للاحتلال.

توفي بعد صراع مع مرض سرطان الكبد في 19 آب (أغسطس) 2014.

إنتاجه الثقافي

لم يقتصر نشاط شاعرنا على الشعر، بل تعداه إلى الصحافة والرواية والمسرح، وكان، كما أسلفنا، غزير الإنتاج، وقبل أن يبلغ الثلاثين من عمره نشر ست مجموعات شعرية كان لها صدى واسعاً في العالم العربي.

صَدَرَ له أكثر من 60 كتاباً في الشعر والقصة والمسرح والمقالة والترجمة، وصدرت أعماله الكاملة في سبعة مجلداتٍ في القدس وبيروت والقاهرة. وتُرجمت قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية واللغات الأخرى.

أبرز مجموعاته الشعرية ومؤلفاته الأدبية:

"مواكب الشمس"، 1958. "أغاني الدروب"، 1964. "دمي على كفي" عام 1967. "دخان البراكين" ، 1968. "سقوط الأقنعة"، 1969. "ويكون أن يأتي طائر الرعد"، 1969. مسرحية "القرقاش"، 1970. ونثر "عن الموقف والفن"، 1970. "الموت الكبير"، 1972. "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم"، 1976. الجزء الأول من ديوان "الحماسة"، 1978. الجزء الثاني من ديوان "الحماسة"، 1979. الجزء الثالث من ديوان "الحماسة" و"الجانب المعتم من التفاحة، الجانب المضيء من القلب"، 1981. "شخص غير مرغوب فيه"، 1986. "لا أستأذن أحداً"، 1988. "سأخرج من صورتي ذات يوم"، 2000. "بلا بنفسج: كلمات في حضرة غياب محمود درويش"، 2008. "مكالمة شخصية جداً!"، "حزام الورد الناسف"، "كتاب القدس"، 2009. 

أبرز الجوائز:

حاز سميح القاسم على جائزة البابطين للشعر. جائزة غار الشعر من إسبانيا. جائزة نجيب محفوظ من مصر. جائزة الشعر الفلسطينية. ووسام القدس الثقافية.

نماذج من أشعاره

منتصبَ القامة أمشي 

منتصبَ القامة أمشي 
مرفوعَ الهامة أمشي
في كفي قصفةُ زيتونٍ وعلى كتفي نعشي
وأنا أمشي.. وأنا أمشي

قلبي قمرٌ أحمر قلبي بُستان
فيه فيه العوسج فيه الريحان
شفتايَ سماءٌ تمطرْ ناراً حيناً حباً أحيان
في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي
وأنا أمشي وأنا أمشي


تقدّموا تقدّموا…
تقدّموا تقدّموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل أرض تحتكم جهنم
تقدّموا
يموت منا الطفل والشيخ
ولا يستسلم
وتسقط الأم على أبنائها القتلى
ولا تستسلم
تقدّموا تقدّموا
بناقلات جندكم
وراجمات حقدكم
وهدّدوا
وشرّدوا
ويتّموا
وهدموا
لن تكسروا أعماقنا
لن تهزموا اشواقنا
نحن القضاء المبرم

تقدّموا تقدّموا
طريقكم وراءكم
وغدكم وراءكم
وبحركم وراءكم
وبرّكم وراءكم
ولم يزل أمامنا طريقنا
وغدنا وبرّنا
وبحرنا وخيرنا
وشرّنا
فما الذي يدفعكم
من جثة لجثة
وكيف يستدرجكم
من لوثة للوثة
سفر الجنون المبهم
تقدّموا
وراء كلّ حجر كفّ
وخلف كلّ عشبة حتف
وبعد كلّ جثّة 
فخّ جميل محكم
وإن نجت ساق
يظلّ ساعد ومعصم

تقدّموا تقدّموا
حرامُكم مُحلّل
حلالكم محرّم
تقدّموا بشهوة القتل التي تقتلكم
وصوّبوا بدقة لا ترحموا
وسدّدوا للرحم
إن نطفة من دمنا تضطرم
تقدّموا كيف اشتهيتم
واقتلوا
قاتلكم مبرّأ
قتيلنا متهم
ولم يزل رب الجنود قائماً وساهراً
ولم يزل قاضي القضاة المجرم

تقدّموا تقدّموا
لا تفتحوا مدرسة
لا تغلقوا سجناً
ولا تعتذروا
لا تحذروا
لا تفهموا
أوّلكم
آخركم
مؤمنكم
كافركم
وداؤكم مستحكم
فاسترسلوا واستبسلوا
واندفعوا وارتفعوا
واصطدموا وارتطموا
لآخر الشوق الذي ظل لكم
وآخر الحبل الذي ظل لكم
فكلّ شوق وله نهاية
وكل حبل وله نهاية
وشمسنا بداية البداية
لا تسمعوا
لا تفهموا

تقدّموا تقدّموا
لا خوذة الجندي
لا هراوة الشرطي
لا غازكم المسيل للدموع
غزة تبكينا
لأنها فينا
ضراوة الغائب في حنينه الدامي للرجوع

تقدّموا
من شارع لشارع
من منزل لمنزل
من جثة لجثة

تقدّموا
يصيح كلّ حجر مغتصب
تصرخ كلّ ساحة من غضب
يضجّ كلّ عصب
الموت لا الركوع
موت ولا ركوع

تقدّموا تقدّموا
ها هو قد تقدّم المخيّم
تقدّم الجريح
والذبيح
والثاكل والميتم
تقدّمت حجارة المنازل
تقدّمت بكارة السنابل
تقدّم الرضّع
والعجّز والأرامل
تقدّمت أبواب جنين ونابلس
أتت نوافذ القدس
صلاة الشمس
والبخور والتوابل
تقدّمت تقاتل
تقدّمت تقاتل
لا تسمعوا
لا تفهموا
تقدّموا
تقدّموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكلّ أرض تحتكم جهنم